“يوم القصة” ينصف فنّ كتابة القصّة القصيرة (صور)

ليست كتابة القصة القصيرة فنا متاحا للجميع بل «لا يبرع فيه سوي الأكفاء من الكتّاب القادرين علي اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة‏،‏ وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه” كما يقول جابر عصفور. وفي لفتة من المعرض الوطني للكتاب التونسي بالتعاون مع نادي القصة تمّ الخوض في مسار القصة التونسية ومداراتها وآفاقها في “يوم القصة”، وذلك اليوم الجمعة 25 جوان 2021 بحضور أسماء لامعة ووازنة في سماء القصّ التونسي.
وقد رحّب رئيس نادي القصة سمير بن علي بالضيوف والحضور في “يوم القصة” منوّها بدور هذا النادي ومجلّة “قصص” في إعلاء راية القصة القصيرة واحتضان مبدعيها وروادها في رهان متواصل منذ ستينيات القرن الماضي.
عن علاقة الأقصوصة بالثورة التونسية من خلال نماذج “ربيع الهلوسة ” لأحمد الحمروني ومجموعة “ليلة انتشى فيها القمر” لنورة الورتاني و”ذاكرة المكان / وجود المهمشين”لعمر السعيدي، اعتبر الكاتب والباحث رضا بن صالح أنّ “الموقف من الثورة غير موضوعي ولا يتطابق مع الخلفية الجامعية للمؤلفين ولا يتماشى مع السنوات التي مرت على اندلاع الثورة مما يعني أنّ السنوات التي مرّت قد أتاحت لهم التأمل والتدبر وتجاوز التجليات الخارجية للأحداث”.
معبّرا عن امتنانه بكتابات حسن نصر وإبداعاته في فن القصة، قدّم الدكتور أحمد القاسمي مداخلة تحت عنوان “من الغربة الاجتماعية إلى الاغتراب: مدخل لقرءاة “ليالي المطر” لحسن نصر”، وقد انتهى فيها إلى أنّ حسن نصر “يعمل على إدانة انحراف الحداثة وتواطؤها ضد الإنسان. وما شعوره بالاغتراب إلا ردة فعل على سرقته من ذاته، بعد أن حوّلته الحضارة إلى عبد للمؤسسات الاجتماعية. ولم تكن أقاصيص حسن نصر تحاكي أحداث العالم الخارجي بقدر ما كانت تحاول اختراق بواطن الشخصيات والنفاذ إليها لتعبّر عن عواطفها وعن حالاتها الذهنية والشعورية. ففي عمقها توجد الحقيقة أما حقائق العالم الخارجي فمخادعة مضللة.”
من جهته، اختار الناقد والباحث المختص في البحوث السردية البشير الجلجلي أن يسلط الضوء على موضوع “الأزمة الناعمة في الأقصوصة التونسية المعاصرة”. وقد قال في هذه المداخلة: ” في قراءة لقصص “قال الرّواي” لرضا بن صالح و”نهاية الرواية “لسمير بن علي و”أجدّف نحوي” لفتحي بن معمر وجدنا واصلا بينها في التناول والطرح لقضية المثقف وعلاقته بنفسه وفنّه وأزماته، قبل أن تصله عدوى الثقافة …في تتبّعنا لمسار الأزمة الناعمة في الأقصوصة التونسية المعاصرة من خلال هذه النماذج الثلاثة، بان لنا أن الأزمة تتراوح ببن نعومة التخييل وقساوة الدلالة…”
تحت عنوان “عذابات الإنسان ومخاض التجريب في القصة التونسية” تطرّق الدكتور فتحي بن معمّر إلى نماذج قصصية على غرار قصتّي “مسامحة1″ و”مسامحة 2” لسمير بن علي من مجموعته القصصية “نظرة أخرى” وقصة “رجال بلا شمس” لمحمد آيت ميهوب و”سجن” لسفيان رجب… وقد حرص صاحب المداخلة على اختيار نماذجه بدقّة فجمع بين كتّاب عاشوا محنة السجن أو عايشوها وكتّاب آخرين كانوا شُهّادا على ما يجري من ظلم زمن الاستبداد. وانتهى الباحث والكاتب فتحي بن معمّر إلى أنّ “اختلاف مواقع الكتّاب وزوايا نظرهم ورؤيتهم الفنية نتج عنه اختلاف الأساليب والمضامين وبالتالي تنّوع وثراء التجربة القصصية التونسية المعاصرة.
في الجزء الثاني من “يوم القصة”، تم إسناد دروع التكريم وشهادات الامتنان والعرفان إلى عدد من فرسان القلم والحرف في إبداع القصة القصيرة. وقد قام رئيس نادي القصة سمير بن علي وعضو الهيئة المديرة للمعرض الوطني للكتاب التونسي بتكريم أحد رواد القصة وأعلام القص التونسي الكاتب أحمد ممو. كما تكريم الرّاحلين محمد المختار جنّات وفاطمة سليم الذين تركا بصمات خالدة في إشعاع القصة التونسية. وكان من المفترض تكريم الروائي والقاص عبد القادر بن الحاج نصر إلا أنه تعذّر عليه الحضور.
وفي اختتام “يوم القصة” احتفت فقرة القراءات التي ترأستها الأديبة آمال مختار بومضات سردية وقصصية بإمضاء كل من مسعودة بوبكر والهادي الخضراوي وصالح الدمس وعمر السعيدي ونجيبة الهمامي.