‌المنجي الكعبي يكتب لكم: دعم التوعية بمسببات التوقي من عدوى الوباء الضاري «كوفيد 19» بتونس

كتب: الدكتور المنجي الكعبي
نعيش كبقية الناس على وجه هذه الأرض منذ أشهر، بل أكثر من سنة ونصف تحت واقعة البلاء النازل علينا بوباء «كوفيد 19»، المسمى بتاريخ سنة ظهوره الأول في الصين، والذي ازداد انتشاراً بمرور الأيام في معظم القارات مع ظهور مشتقات منه أخيراً في شكل موجات جديدة في عدد من الدول، وتحولات جينية أكثر انتشاراً من سابقاتها، تهدد أكثر من أي وقت مضى كل الجهود التي أطلقتها الدول والمنظمات المختصة إن لم يكن للقضاء عليه نسبياً فلا أقل من الحد من سرعة انتشاره ومقاومته عن طريق التلاقيح، ومن حسن الحظ أن هذه عدداً من التلاقيح لم تتأخر كثيراً في عمومها من حيث إنتاجها وفعاليتها العالية لتحصين عامة الناس وكسب مناعة القطيع لديهم كما يقال، والحد من ضرره على نسبة كبيرة من السكان والكارثي على الحضارة البشرية عموماً لتراجع اقتصادياتها واجتماعياتها بشكل لم يسبق له مثيل.
وبلادنا تونس هي إحدى الدول التي لم تستثنها العدوى بهذا الفيروس بسبب السياحة والتبادل التجاري ونحوه بين سائر الدول. لكن لأسباب سنحاول ملامستها من قريب في هذا المقال سجلت – والحمد لله – أقل تضرراً من غيرها في نسبة الإصابات والوفيات.
لا شك أن اكبر سلاح يمكن أن يقاوم به الانسان للتوقي من حصول العدوى بهذا الفيروس هو اتخاذ الاجراءات المقررة علمياً وطبياً وحكومياً، ومن أهمها التباعد الجسدي بين الفرد وغيره، ومنها كذلك غسل اليدين بالمطهرات المنصوح بها كالصابون والسائل المعقم، دون ملامسة الأماكن الحساسة في الوجه، واخيراً وضع الكمامات على الأنف والفم بالنسبة لجميع المتحركين في الشارع والبيت ومكان العمل وفي المعاملات العادية بين الأفراد، وذلك لمنع تلقي الفيروس أو انتقاله بسبب التنفس ورذاذ التلفظ والسعال ونحوه.
وقد لوحظ أن التوعية بهذه الاجراءات الوقائية تساهل الكثير من الناس في الأخذ بها بصرامة وانضباط، وربما التعود عليها بكيفية سليمة وسالمة في الوقت نفسه. ورُؤي أن هذا غير راجع فقط الى كون تلك الإجراءات هي إجراءات تحد من حرية الناس التقليدية وعاداتهم التي تربوا عليها، ولكن أيضا لأن بعض الفئات العمرية أو ذوي المشاغل الخاصة يرون أنفسهم غير مقتنعين بضرورتها لهم، أو لعلهم لضيق ذات اليد على شراء كمامات من حين الى آخر أو إعادة تنظيف كمامة أغلى ثمنا من غيرها، قابلة للغسيل عند اللزوم.
ولا نجد في استطلاعات الرأي أية احصائيات من نوع قابلية الأفراد أو أصناف الفئات التي تعاملت بشكل أفضل من غيرها ولو بقدر متفاوت في احترام تلك الإجراءات الصحية المفروضة فرضاً في بعض الدول. وحتى وإن وجد شيء منها فبدون تقص دقيق للأسباب، للمساعدة على معرفة الدواعي الكامنة وراء ذلك.
فمعرفة الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن الأمراض أو المسببة لها كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ في بعض البيئات الطبية من أسرار الدواء الشافي والعلاجات المساعدة. ومن المسلم به أن العقيدة والثقافة العامة جزء من حياة الإنسان ومكون من مكوناته لمواجهة الادواء وتقبل العلاجات. ومن هنا أهمية معرفة ما تحمله كل عقيدة وتقدمه كل ثقافة للفرد للتفاعل الايجابي مع أعراض مرضه ومتطلبات دوائه وتحسين استعداده كمصاب لتقبل نصائح الطبيب والأخذ بمختلف ما يقترحه عليه من معالجات نافعة.
وبالنسبة للتراث الديني في دولة اسلامية كدولتنا، فالغالب أن يكون الفرد غير نظيره عديم المؤمن أو ضعيف الايمان بدين من الأديان. والغالب كذلك أن المناخ الطبيعي والنباتى والمائي في إقليم أو بلدة يختلف عما هو عليه في مناخ قاس أو جاف أو رطب أو بارد أو حار. أو أكله قمح وزيتون وعسل وتمر وقوارص وهذه كلها عوامل لا يجب الغفلة عنها فى المداواة او المعالجات على اختلافها، لأن أنواع الأمراض أو الإصابات تكون متكيفة الى حد ما بالمناخات التي نشأت فيها. هذا إضافة الى ما معلوم مثلاً من أن الأوبئة أكثر انتشاراً في الفصول الباردة والأقاليم القريبة من السواحل والبعيدة عن أعماق الصحراء والأراضي القاحلة وأن العدوي أسرع انتشارًا في التجمعات الكثيفة السكان أو المكتظة منها في المداشر والقرى والأرياف.
ففي مجتمع مسلم معظم سكانه مواظبون على عباداتهم، ومنها الصلاة، وتساعد هذه الفريضة الخماسية الأوقات في اليوم والليلة بما فيها من وضوء وغسل واجتناب المنجسات للبدن والثياب، وما في الوضوء خاصة من الاستنشاق والاستنفار وملازمة السجود على بساط طاهر.. هذه الأمور كلها تجعل الفرد يكون في دولة مثل دولتنا أقرب للتعامل الإيجابي مع بروتوكولات الحجر الصحي، والقائمة كلها على مبدأ النظافة القصوى والتوقي من الجراثيم الفاسدة والمضرة بالأبدان والثياب والمقاعد في البيوت والمجالس العامة وعدم مخالطة المصاب بالفعل أو بالقوة بالفيروس.
فالتوعية القائمة على ما سوى تشديد الإجراءات المقررة طبياً لمقاومة تفشي العدوى بهذا الفيروس منعاً للإصابة به أو نقله الى الغير والعكس يمكن دعمها كما بلدنا بدعائم دينية وثقافية نوعية تساعد الناس على الالتزام بها دون تهاون قياماً بالصلوات وفروضها من وضوء وغسل واستنشاق وتباعد عن الملوثات المفسدة للطهارة.
فرب نصيحة لعلاج أمراض المعدة مثلا بالصيام ليس القصد منها التذكير بأهمية فريضة الصوم في الإسلام ولكن أهمية العبادات في مراعاة صحة الإنسان دوماً وقدرته أو استطاعته على أدائها، وهو يتابعها بانتظام إنما يحافظ في واقع الامر على بدنه الذي لا تقوم الروح إلا به، ولا تكون عبادة من صاحبه إذا إذا صح في نفسه وبدنه.
ولو ركزت بعض الفحوصات او استقصاءات الرأي على هذه الناحية الاعتقادية وعلى الثقافة النوعية للتونسيين وغيرهم في الداخل وفي الخارج لاستخلص الناس دروساً من آثار العقيدة غير السلبي في مقاومة الوباء إن لم بالعكس الايجابي جداً، كما قد تبينه استطلاعات الرأي لو التفتت الى ذلك، ولأبرزت بالتالي أن الاصابات أقل في صفوف المصلين ولأبرزت كذلك أن الاجراءات الوقائية التي تصرف الأموال الطائلة للتوعية بها أكثر احتراماً لدى فئات من المواطنين بسبب فهمهم لأصول الطهارة والصحة، لإقامة الفرائض الدينية والواجبات الوطنية كواجب التقيد بتعاليم التوقي من العدوى بالجائحة في وقتنا الحالي، الذي يسجل لبلدنا مستوى منخفض نسبياً ربما لطبيعته الدينية والمناخية وسلوكيات أفراده الملتزمين بالطاعة المطلقة للحاكم بأمر من الله ورسوله في أوقات الشدة ومحاربة الأعداء، والوباء أحدها في هذه الأيام والعياذ بالله والانتصاح بأقوال الأطباء وسائر القائمين على الأدوية وأنواع العلاجات.
تونس في 28 شعبان 1442ه‍‍.
11 أفريل 2021 م