‫رجب حاجي يكتب لكم: أي تونس نريد، بصناعة الأوهام؟‬

‫لازالت التصريحات تتضارب، ولا نعرف ما هي حقيقة وضع بلادنا من هذه المصيبة الكبرى، وقد ترقبنا من يطمئن اهلنا، ومن يزرع الأمل فينا، وقد اختلط النبل بالحابل في محيطنا، ونحن على الربوة نترقب من يهدينا التلاقيح، أو من يشد أزرنا لضمان جراية الشهر المقبل، او تقديم الحلول لمشاكلنا التي تعقدت بمرور الزمن، او يكشف لنا ما يُحاك في كواليس السياسة، من الذين توسمنا فيهم الخير، ولم يهدأ بالنا، رغم الظروف العصيبة، “نردد بكل فخر وان جارت علي بلادي عزيزة”، قضت أجيال لأجلها حياتهم، وترعرعت في أوجها عبقرياتهم، بحثا عن رقيها، وازدهارها، ولما نالني شرف تحمل مسؤولية بلدية ريفية محدثة، وعدت وانجزت، رغم كل العراقيل المدبرة للإطاحة بالفريق، و اواصل اليوم الكفاح بقلمي، عسى يسمع صوتي وصوت الآخرين كذلك، وكتاباتنا تشهد على ما قدمناه من انذارات، وما اهديناه من تصورات، تصب في مسار تونس، وإنعاش اقتصادها، وحماية حرية اختيارها.‬
‫تركت الكراسي ثانية لمن يتشدق بحوزتها، لما تغدقه عليه من جاه ومال وشهرة، وما الى ذلك من امتيازات معنوية ومادية بدون رقيب ولا حساب، و بقيت كغيري اتصفح ما يكتبه هؤلاء الاقزام، اهل الضبابية، و”قلبان الفيسته»، تلك الصفحات البائسة التي تدعي اغلبها النصح والارشاد، في كل ميادين الحياة، واغلبهم فاقدي السيرة الذاتية، او تجربة المسؤولية، بصدد البحث بأقلامهم على الولاء، مهما كان الثمن “يا من تشتري البضاعة فهي متوفرة وجاهزة تباع في السوق بأنواعها! “‬
‫ أن التونسي حزين لمشاهد مؤلمة: غزا الموت منزله، وأطاح بأهله في الشوارع، في المستشفيات، في المدن الكبيرة والصغيرة، في القرى والحقول، وأنا مواطن عادي، أضم صوتي إلى صوت ملايين من رفاقي لأتوسل، نعم أتوسل إلى الحكام أن يتقوا الله في تونس، وأن يقيموا ما وصلوا اليه في أداء المسؤولية، التي انيطت بعهدتهم، وأن يتنحوا عن طواعية اذا كان جردهم غير مرضي، وادائهم غير مقبول، أتوسل إليهم، لان الاعتراف بالخطأ ميزة، يذكر فيشكر، وطال العبث بمصير الامة، و التاريخ يشهد ان الخبزة في تونس اصبحت مرة، بسبب تعنت من في الحكم، وطالت المسرحية وعواقبها التشفي واضحة للعيان على كل المستويات ولا فائدة في سبر اراء…‬
‫لا احد يقترح خريطة طريق تنقذ البلاد والعباد، وتحميهم من المتوقع الذي سيكون بلا هوادة، مسير من طرف أهل المال، وقد جربت بلادنا البرامج، وغاب عليها استنتاج ما وصلت اليه من دمار، وتعيد الكرة، وتنساق في طريق مظلم، ونبهت كغيري إلى سوء العواقب.‬
‫ودارت الايام، وتوالت الحكومات بالمئات، تسع حكومات منذ الثورة، تألفت من أربع مائة وخمس وثلاثون وزراء وكتاب دولة، منهم الاحد عشر وزيرا، الذين هم بصدد الانتظار، وغابت الرؤيا، و سيطرت ازدواجية اللغة، وفقدت الأخلاق السياسية، وينكشف القناع شيئا فشيئا على اولي الحصانة واتباعهم، ولو كان لهم رأي سديد في خدمة تونس، لما صرحوا علانية بمكاسبهم، و أعلنوا عن تمويل احزابهم، و كشفوا عن الجمعيات والأشخاص التي تساندهم جهرا وفي الخفاء، وفي ذلك اعادة لبصيص من الثقة، التي لولاها لما عاد الاقتصاد الى الحيوية، وخرجنا من المأزق الذي أوقعوا فيه البلاد، وصدعوا لحمتها، وغيبوا الحكم فيها، وعملوا على وهن الدولة، وعزلتها من محيطها الجغرافي والسياسي، وتغلغل الصراع، وفقدت البوصلة، وذهب ضحية ذلك شهداء ثورة الحرية والكرامة، وفي مقدمتهم شهداء المؤسستين الأمنية والعسكرية، واصبح الجيش صباحا مساءا في حماية الشعب من اذنابه، وذهبت قوى الدولة سبهللا، في عواصف متتالية، وأمواج متلاطمة، أفقرت البلاد، وغيبت الكفاءات، وقضت على روح البذل والعطاء والطمأنينة، والذين أخذوا المقود ينقصهم الصدق في القول، وحتى المؤسسات أصابها مرض شلل ادارتها، لعدم جدواها، واضفت الكورونا بأوزارها، حتى أن الخوف اصبح أكبر مصيبة من المرض نفسه، والواجب يدعو الى بعث لجنة تقصي الحقائق في ادارة الوباء.‬
‫ان الرجوع الى المنظمات الراعية للحوار ولو ظرفيا، لمعالجة الأزمة الحالية.‬
‫أصبح من الضروريات، لتقريب وجهات النظر، ودعم أسس الوحدة الوطنية، واعادة كتابة قانون الانتخاب، حتى ترجع السيادة للشعب، وتعاد الهيبة والوقار لاهمّ مؤسّسات الدولة، وهي رئاسة الجمهورية، ومجلس نواب الشعب، والمصادقة على حكومة جديدة، تكون محلّ توافق عريض، بين أهمّ مكونات المجتمع، وقد بادرنا باقتراح الحل في 12 اكتوبر 2012 ولا يزال نافع المفعول، واعدناه في مقال 3 اوت 2020 حيث اقترحنا لحل الازمة المفتعلة جمع الفرقاء في لجان اربعة تنبثق منها مبادئ خارطة طريق قريبة وبعيدة المدى : الاتفاق على تحوير القانون الانتخابي- تشخيص الواقع الحالي والوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني – مدى قدرة وجدية الفريق الحكومي الحالي في إحداث التغيير المطلوب- كيفية اعادة النظر واستكمال الآليات التي نص عليها الدستور.‬
‫تفتح المشاركة بدون اقصاء الا لمن قالت فيه العدالة كلمتها.‬
‫يقع في هذا الاجتماع الاتفاق حول مهلة زمنية بتسعين يوما مثلا، لإعداد تقارير اللجان، يحدد اثرها برنامج لدفع عجلة النمو من جديد للتصدي لتفشي البطالة، وذلك تحت رعاية ” لجنة من حكماء الاقتصاد الاجتماعي والتضامني” مهمتها البحث عن تقريب وجهات النظر، و بقيادة فريق كفئ، قليل العدد، له مصداقية كفيلة بتلميع وجه تونس بالوفاء بتعهداتها الواقعية، المتماشية مع وضعية اقتصادها، وبالتزام المشاركين بتطبيق ما وقع التوصل إليه في خاتمة الحوار، وعند الاختلاف الرجوع الى اللجنة.‬
‫”وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. صدق الله العظيم‬
‫ ‬
‫هوامش ‬
‫رجب حاجي : دكتور في الاحصائيات- دكتور في الاقتصاد- شهادة تكوين مستمر بجامعة هارفارد الأمريكية – ألف أربع كتب في علم الاحصاء في المستوى الجامعي- اول رئيس بلدية ملولش- شغل رئيس ديوان المرحوم محمد الصياح عشرات السنين و رئيس ديوان وزيرة الصحة ومكلف بمهمة في اختصاصاته لدى رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر اطال الله عمره الى غيرها من المسؤوليات الوطنية.‬