‫محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: إننا مرضى بالتقليد، ولا يعجبنا إلا ما عند الآخرين‬

‫كتب: محمد نجيب عبد الكافي‬
‫كلما خلوت لنفسي، وكثيرا ما أختلي بها ولو مشيا بالشارع، إلا واستعرضت شريط مسارنا وعثراتنا وأسبابها، مقارنا دائما بما كنا وكيف صرنا، فاحصا كالطبيب، عن العلة وأسبابها. ‬
‫آخر ما وصلت إليه، ولست من العارفين، هو أننا، ومعنا بقية ما سمّوه عالما ثالثا، نشكو مُركّب نقص تجاه من نعتبرهم سادة يُقتدى بهم، وبلغت بنا العلّة حتى جهلنا ما لدينا، وقلّدنا بلا فحص ولا تدبير، فإذا بنا عبء على الغير وعلى أنفسنا، نتسوّل كل ما نحتاجه لنعيش، ولا فضل لنا فيه سوى استهلاكه. عرضت لي، في إحدى الخلوات الأخيرة، دندنة، وصخب، وإشهار، ودعاية، وبرامج مسموعة ومصورة، تبثها المحطات والقنوات، عن التغذية الصحية السليمة، عن مقاومة السمنة، عن الغذاء الطبيعي، وغير هذا كثير. تساءلت عما لدينا، إن كان لدينا شيء مما يذاع ويُشهر في كل آن وأوان، فأكرمتني الذاكرة أثابها الله وحفظها، بمقولة، أو حكمة، وأردفتها بأخريات، فأبيت إلا إشراك قراء وقارئات صحيفة الصريح، فيما تذكرت، لعلهم يجدون في هذا فائدة أو متعة. ‬
‫فأول ما أسعفتني به الذاكرة مقولة:” نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع.” حكمة وأيم الله، ويا لها من حكمة، حبذا لو كان بين القراء، طبيبة أو طبيب من ذوي الاختصاص، فيتكرم أحدهما علينا بما وهبه الله من معرفة، شارحا لنا فوائد هذه المقولة. استحضرت بعد ذلك حديثين شريفين، يقول أولهما: ” بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ.” أمّا الثاني فهو قوله: ” مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ.” لم أكن أدري إن كانت هذه أحاديث صحيحة أم هي موضوعة. لذا، بعد خروجي من خلوتي مع نفسي، عدت لما في أدراج مكتبتي، فوجدت كتاب ” الطب النبوي ” لشمس الدين محمد ابن قيم الجوزية، صححه عبد الغني عبد الخالق، ونشرته دار القلم ببيروت، فوجدت فيه تأكيد صحة الحديثين الشريفين. علمت أيضا، أنه قد روي أن ابن ماسويه الطبيب، لما قرأ هذا الحديث قال: ” لو استعمل الناس هذه الكلمات – يعني القول الكريم القائل: حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه إلى آخره – لسلموا من الأمراض والأسقام، وتعطلت المستشفيات، ودكاكين الصيادلة.” تنهّدت أسفا قائلا لنفسي إننا مرضى بالتقليد، ولا يعجبنا إلا ما عند الآخرين. سمعتُني بعد ذلك أقول: ” لا تجعلوا آخر طعامكم ماء “. حكمة أخرى، للأطباء فيها شروح وتفسيرات، لا أجرأ على ذكر ما قيل لي عنها، سوى تلخيصها، وهو أنّ شرب الماء آخر الطعام يمكن أن يسبب أضرارا جسيمة للجهاز الهضمي وخاصة المعدة. والضرر الناتج عن شرب السوائل بعد الأكل يتمثل، حسب رأي الأطباء، في إبطاء عملية الهضم والامتصاص في الجهاز الهضمي، تاركا بعد هذا المجال لذوي الشأن، إن أرادوا التكرّم بما يعرفون. و”أكرموا الخبز” حديث آخر لا أظنه في حاجة لتفسير. لكن بيت من الشعر، لا أعرف قائله، يحتاج تعليقا على الأقل. يقول القائل: ” بسملوا وقطّعوا الحدود ** تكلّموا وخالفوا اليهود **. إن ما أجهله هو إن عرف القائل آداب الطعام عند اليهود، أو أن القافية و اضطرارها جاءته بالكلمة. لكني أفهم الغاية والفائدة. فالحديث وتبادله أثناء تناول الطعام، مستحب إذا كان ذا فائدة، وبصوت هادئ، وليس فيه ما يتنافى والظرف والآداب. لأن الحديث في هذه الحالة يجعل الآكلَ يتأنَّى ولا يسرع في أكله، ولا في مضغه، وكما يقال في التأني السلامة، لأنها تعطي المعدة فرصة استقبال ما يرسل لها براحة وعناية، فيتم الهضم حسب السليقة والطبيعة، فتقوم كل أجزاء البطن بدورها دون ضغط أو إجبار، فتكون النتيجة الطيبة. ‬
‫إن موضوع التغذية، والحفاظ على الصحة بها، ولوازم الأكل والطعام من تصرفات وكميات وآداب، لنا فيه الكثير الذي لا يقل، كي لا أقول يفوز، على ما يتباهى به اليوم الاخرون، ويقلده أناسنا بلا دراية في معظم الأحوال. يكفي، كي لا أطيل أكثر، أن أذكر وصية أوصي بها العارفون من أسلافنا ذوي المقدرة والتجربة، إذ قالوا: ” لا ينبغي للإنسان أن يُدخل طعاما على طعام آخر في بطنه، بل ينتظر حتى تطلب نفسه الطعام وتشتهيه. ليتدبّر، من يطلع على هذه الأسطر، في هذه الوصية أو النصيحة أو القاعدة، فسيكتشف بنفسه غايتها وفائدتها، ودورها في مقاومة السّمنة أو الوقوف دونها. أمّا الرسول الأعظم (صلعم) فقد نُقل عنه قوله: مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. تأكيدا لما عرف وقيل “المعدة أصل الداء وبيت الدواء.” ثمّ إن ما ينقل عن الحارث بن كلدة، طبيب العرب، قوله: ” الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الداء “. أما الحميّة فهي النظام الغذائي الصحي المعتدل، أي ما نقلده اليوم عن الآخرين ونسميه بلغتهم، فلا نقول حمِيّة بل نقول ” رجيم ” وما رجيم إلا إبليس. قال الحارث أيضا: الذي قتل البرية، وأهلك السباع في البرّية، إدخال الطعام على الطعام، قبل الانهضام.” حكمة أخرى، بل نصيحة وتوجيه آخر نجده فيما قاله الإمام علي، كرّم الله وجهه، ونقل عنه وهو:” لا تُميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب يموت كالزرع إذا كثر عليه الماء: ” وعن جعفر الصادق رضي الله عنه ” لو اقتصد الناس في المطعم لاستقامت أبدانهم. “‬
‫إن هذا بعض من كثير، ما هو إلا نُسالة بقيت في الذاكرة، وكله يؤكد ما يقوله الأطباء الطبيعيون. الا أننا، ويا للأسف، نجهل ما لدينا، ونفتخر بتقليد ونقل ما لدى الاخرين، ناسين حكمة المثل الشعبي القائل” المتغطي بمتاع الناس عريان.” فنحن، نبدو تسترنا الثياب، بينما في الواقع ما نحن إلا عراة، تاركين ألبستنا الكثيرة الفاخرة في مستودعاتها وخزاناتها وأدراجها، جاهلين إياها أو محتقرين، ونرفل مبتهجين متباهين بما هو ملك الآخرين.‬
‫إن هذه الظاهرة، بل هذا العيب المشين، والنقص المهين، والمُركّب الدّفين، علّة أصبحت عادة أقعدتنا عن كلّ محاولة ابتكار، وما هو أدهى، جهل ما هو لنا ولدينا، أو معاملته بالتهميش والاحتقار. رغم هذا، ندّعي ونفتخر – كذبا – بأن الناس يحترموننا ومعجبين بنا، بينما الواقع عكس ذلك، لأن من لا يحترم نفسه لا يحترمه الناس، ومن لا يُقدّر ما له وبين يديه، يُحرم تقدير غيره، فلا يعاملوه إلا نفاقا بقدر ما تتطلبه حاجاتهم ومنفعتهم ومصالحهم. لنكن صريحين صادقين مع أنفسنا، فننظر ونتبصّر ونُقيِّم، فنقارن، بين ما ننتج لأنفسنا وللآخرين، وبين ما نستهلك ماديا، عمليّا، وتصرفا اجتماعيا، فسنجد الحقيقة المرّة وهي أننا أصبحنا عبئا على غيرنا، والعبء إذا ثقل يُرمى ويًبتذل. ختاما عودة إلى قواعد التغذية بآية كريمة من كتاب الله تذكرنا قائلة: ” كلوا واشربوا ولا تسرفوا.” هذه تذكرة ” فهل من مذكر؟ ” ‬
‫مدريد في 9 ماي 2021 ‬