‫نوفل سلامة يكتب: بعد رفضها الاعتراف للجزائر.. فرنسا ترفض الاعتذار عما حصل بسببها من مجازر في رواندا ‬

‫كتب: نوفل سلامة ‬
‫خلال زيارته التي قام بها منذ أيام قليلة إلى دولة رواندا صرح الرئيس الفرنسي ” إمانويل ماكرون” بأن لديه قناعة عميقة في أن الساعات القليلة المقبلة سوف تكون حاسمة في كتابة صفحة جديدة في علاقة فرنسا مع رواندا وإفريقيا….‬
‫وقد أبدى الرئيس الفرنسي رغبة قوية من خلال هذه الزيارة لإنهاء حالة الفتور و القطيعة التي دامت بين البلدين لأكثر من ربع قرن على خلفية دور فرنسا فيما حصل من إبادة جماعية لقبيلة التوتسي سنة 1994 على يد الهوتو وارتكاب مجازر فضيعة راح ضحيتها أكثر من مليون شخص خلال ثلاثة أشهر صمت خلالها الرئيس فرنسوا ميتران وبقيت فرنسا تشاهد المأساة التي حصلت من دون أن تصدر تعليماتها لقواتها العسكرية التي كانت متواجدة هناك بالتدخل وإيقاف المذابح و المجازر التي ارتكبها الهوتو بحق التوتسي.‬
‫بقطع النظر عن أهمية هذه الزيارة من الناحية الاقتصادية ورغبة ماكرون الواضحة في تطبيع العلاقات مع رواندا من أجل فتح صفحة جديدة مع هذا البلد و استعادة النشاط الاقتصادي معه بعد أن تحركت الصين بقوة في افريقيا واكتسحت أسواقا تجارية عديدة وأبرمت اتفاقيات استثمار مع دول افريقية كثيرة مما أخاف فرنسا من هذا الغزو الصيني للقارة السمراء ، بقطع النظر عن البعد الاقتصادي فإن لهذه الزيارة معزى آخر وهو الجانب التاريخي لما حصل سنة 1994 في رواندا من مجازر وقتل وإبادة جماعية وموضوع المسؤولية السياسية للدولة الفرنسية فيما حصل وقضية الاعتذار والاعتراف بالمسؤولية التي تطالب بها اليوم دولة رواندا من فرنسا فهذه الزيارة تأتي بعد صدور تقريرين حول المأساة التي حصلت لقبيلة التوتسي على يد الهوتو وتورط القوات الفرنسية فيما حصل. التقرير الأول أعده مكتب محاماة أمريكي بطلب من رواندا منذ سنة 2017 و صدر منذ فترة قليلة في 600 صفحة انتهى إلى تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية كبيرة في الإبادة الجماعية التي حصلت في رواندا سنة 1994 حيث أثبت التقرير أن الحكومة الفرنسية آنذاك كانت على علم باستعداد التوتسي للقيام بإبادة جماعية لكنها استمرت في دعم نظام الرئيس الهوتي ” جوفينال هابياريمانا ” واستمر الدعم حتى حصلت المأساة التي لا تزال آثارها إلى اليوم عميقة.‬
‫التقرير الثاني أصدرته ” لجنة ديكلرت ” وهي مجموعة من المؤرخين الفرنسيين اشتغلوا على الملف الرواندي من دون تدخل من الحكومة الفرنسية أو تأثير من الإيليزي ونشرت تقريرها الذي جاء في 1200 صفحة في شهر مارس 2021 خلصت فيه إلى أن مسؤولية فرنسا كانت جسيمة وأن الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران وحاشيته قد تعاملوا ببرود كبير مع نظام الهوتو بل قدموا له كل الدعم المادي والتدريبات والإمداد العسكري.‬
‫ورغم أن التقريرين قد كشفا بكل وضوح مجريات الإبادة التي حصلت للتوتسي ودور فرنسا الثقيل فيما حصل من جرائم وقتل ومأساة وسكوتها لأشهر عن المجازر التي ارتكبت من دون أن تتدخل قواتها التي تلقت الأوامر من القيادة السياسية في باريس بعدم التدخل رغم علمها المسبق أن الهوتو يستعدون لارتكاب مذبحة بحق التوتسي هي من قبيل الجرائم ضد الإنسانية فإن الدولة الفرنسية ترفض تقديم اعتذار رسمي عن سكوتها ومشاركتها بصمتها فيما حصل من جرائم قتل وإبادة وتكتفي بالاعتراف بمسؤوليتها فقط بعدم تدخلها في الوقت المناسب. ‬
‫فرغم ذهاب ماكرون إلى رواندا لطي صفحة الماضي وإنهاء حالة التشنج بين البلدين إلا أن الرئيس الفرنسي يرفض الاعتذار عن دعم بلاده لنظام عنصري مجرم ويبدو أن موقف فرنسا هذا من أحداث 1994 برواندا وهو الخوف من تبعات مرحلة الابادة الجماعية التي تعرضت لها قبيلة التوتسي بتواطؤ من فرنسا فتقديم الاعتذار بعد الاعتراف بتورط قواتها العسكرية فيما حصل يجعلها مرغمة على تقديم التعويضات اللازمة للضحايا وملزمة بفتح ملفات أخرى في عدة بلدان إفريقية عرفت نفس المصير ويفرض عليها أن تتعامل مع ملفات أخرى بنفس الطريقة وخاصة الملف الجزائري الذي تطالب بسببه الحكومة الجزائرية من فرنسا الاعتراف بجرائمها عن حقبتها الاستعمارية وهو مسار لو سارت فيه فإنه سيجر وراءه دول الاستعمار القديم مثل بريطانيا وإسبانيا اللتين توجه لهما نفس الاتهامات.‬
‫الغريب العجيب اليوم مع هذه الزيارة الفرنسية إلى دولة رواندا أن ماكرون يتصور أنه باعترافه بمسؤولية بلاده عما حصل من إبادة جماعية بحق التوتسي من دون الاعتراف بتواطؤ القيادة السياسية مع نظام الحكم الذي قاد الجريمة وارتكب المجازر الفظيعة التي ذهب ضحيتها أكثر من مليون شخص ومن دون تقديم الاعتذار الرسمي على سكوت الدولة الفرنسية ممثلة في رئيسها فرنسوا ميتران لقرابة ثلاثة أشهر وصمت القيادة السياسية عما حدث في رواندا يمكن طي صفحة الماضي الأليم ونسيان المأساة التي دامت ربع قرن . إن الأمر الذي لم يفهمه الفرنسيون هو أن الجزائر ورواندا يريدان أكثر من مجرد تبييض الجرائم التي شاركت أو تسببت فيها فرنسا .. إنهما يريدان إظهار الأحداث المخفية كما حصلت و الاعتراف بالحقيقة التاريخية كاملة حفظا للذاكرة التاريخية من النسيان ومن أجل كتابة تاريخية صحيحة وبناء علاقات مستقبلية على أسس واضحة بعد الاعتراف بما حصل وتحمل المسؤولية فيما حصل و تقديم الاعتذار الرسمي عما حصل .. ‬
‫إن مشكلة الفرنسيين أنهم يعلمون كل شيء ولكنهم لا يريدون الاعتراف بالحقيقة كاملة بل يرفضون الحديث عما يعرفون وتلك أزمة الحداثة الفرنسية خاصة والحداثة الغربية عامة وهي أن المبادئ والمثل تتغير عندما يكون الأمر يخص دولا من الضفة الأخرى. ‬