نوفل سلامة يكتب لكم : حول إصلاح الشأن الديني بين مسؤولية الدولة ومسؤولية المجتمع المدني

12 جوان 2019  (09:47) صالون الصريح

نوفل سلامة

لماذا الحديث عن إصلاح الشأن الديني الآن ؟ وما المقصود بهذا الإصلاح " ولماذا ندوة فكرية تتناول التفكير في كيفية إصلاح الفكر والخطاب الديني وإصلاح الحالة الدينية في تونس ؟ وهل الوضع الديني على صورة وحالة تستدعي أن  نطالب بإصلاحه ؟ وإذا كان التقييم كذلك فكيف نعالج الخلل ومن أين نبدأ بالإصلاح ؟ لكل هذه الأسئلة التي لها علاقة بالمجال والفضاء الديني في المجتمع والدولة وفي علاقة الأفراد بعضهم ببعض تأتي هذه الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية صبيحة يوم السبت 25 ماي الجاري التي دعيى لتأثيثها كل من الدكتور احميدة النيفر رئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد والدكتور علي العشي أستاذ ومدير الدراسات والتربصات بجامعة الزيتونة  والأستاذ سامي براهم باحث بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية والدكتور محمد المستيري أستاذ بجامعة الزيتونة ورئيس مركز الدراسات الحضارية في باريس.

استهلت هذه الندوة بكلمة الدكتور رضوان المصمودي رئيس المركز أطر بها هذا اللقاء جاء فيها أن هناك اليوم إجماع على أن الشأن الديني في تونس يبعث على القلق وأن هناك قناعة بأن الحالة الدينية بعد ثمان سنوات من الثورة غير مرضية من علاماتها تراجع تأثير الدين في المجتمع وغياب الوازع الديني في العلاقات بين الأفراد. لقد اكتشفنا اليوم مشاكل عويصة تحتاج إلى معالجة سريعة جراء فقدان المجتمع للقيم وتراجع منسوب الأخلاق لدى الأفراد ما أدى إلى غياب الانضباط في تطبيق القانون . فالمجتمعات لا تتقدم إلا بوازع من الدين ووازع من الأخلاق الذي يكون بمثابة المنبه والضمير اليقظ والشرطي الباطني الذي يمنع الفرد من ارتكاب المكروه أو أن يأتي خللا أو مكروها أو ما يخل بالعلاقات داخل المجتمع أو ما يخل بالنظام العام وانتهاك القانون.

 فمكافحة الفساد مثلا تبدأ من داخل النفس ومن ضمير الفرد فإذا كان الضمير الديني المانع من ارتكاب الفساد وإذا كان الضمير المحفز على رفض الاخلالات حاضرا بقوة في نفس الانسان فهذا يساعد كثيرا على تطبيق القانون وعلى ايجاد مجتمع صالح بأقل منسوب للفساد لدى أفراده فالمشكلة التي يلاحظها الجميع هي أن مجتمعنا في جانب كبير منه أصبح يقبل بالفساد ويعده حالة صحية طالما بفضله تحل كل الصعوبات وهو مطبع ومتصالح مع هذا الظاهرة وهذا الواقع تعود المسؤولية فيه إلى غياب الوازع الديني وإلى تصدع منظومة القيم الدينية فعملية إصلاح الشأن الديني في المجتمع عملية ضرورية في بناء فرد ومجتمع صالحين وبأقل منسوب من الخلل والفساد وهذا ما يجعل من الشأن الديني أحد المصادر التي يمكن أن تستقي منها منظومة القيم في المجتمع عناصرها فكل المجتمعات وحتى الغربية منها لا تغيب دور الدين والقيم الدينية من منظومة القيم المجتمعية.

ما تمت ملاحظته كذلك هو أنه منذ دولة الاستقلال وحتى حكم بن علي قبل الثورة عرفت تونس تراجعا كبيرا في حضور الدين في الفضاء العام وفي ضبط سلوك الناس حتى وصلنا إلى نتيجة خطيرة وهي انهيار كامل لمنظومة القيم في المجتمع خاصة مع خطة تجفيف المنابع التي طبقها نظام بن علي فك بها الارتباط بين الشعب وقيمه الدينية وأبعد بها الدين عن المجال العام و في علاقة الأفراد داخل المجتمع فحصل الذي نراه اليوم من مظاهر الانفلات والتسيب والكثير من الاخلالات والانتهاكات والتصرفات الخطيرة التي شكلت صورة سيئة عن المجتمع وأعطت الانطباع بأن الوضع صعب لاتساع دائرة الخلل وقد كان من المؤمل أن تصلح الثورة من هذا الشأن الديني ومن هذه الحالة الدينية غير أن الذي لاحظناه هو بقاء الأمر على حاله في غياب أي اعتناء أو التفاتة بإصلاح الشأن الديني لذا كان لزاما على المركز أن يطرح سؤال الاصلاح ومحاولة معرفة على من تقع المسؤولية في المعالجة هل تقع على الدولة أم على المجتمع المدني أم هي مسؤولية يشترك فيها الجميع ومسؤولية الاثنين معا ولكن بنسب متفاوتة ؟

مقاربة الدكتور احميدة النيفر في هذه الندوة تقوم على فكرة أن مسألة إصلاح الشأن الديني هي اليوم مسألة خلافية لا تعرف اتفاقا حولها بمعنى أن هناك زاوايا نظر مختلفة لعملية الاصلاح المطلوبة خاصة وأن الحديث عن إصلاح الفكر الديني والخطاب الديني والشأن الديني يأتي في حالة ثورية وفي لحظة تاريخية حصلت فيها تحولات في منطقتنا العربية وفي العالم لا يمكن تجاهلها ولا يمكن معرفة مآلاتها ولا يمكن ضبطها لذلك يكون من المفيد أن نستحضر هذه الخصوصية وهذا السياق ونحن نطرح سؤال الاصلاح في علاقة بالشأن الديني.

 من أبرز المسائل التي تحتاج أن نستحضرها مسألة أننا كنا قبل الثورة في وضعية فقدت فيها السياسة معناها خاصة في زمن حكم بن علي الذي لم تعد السياسة معه تعني تنظيم الاختلاف داخل المجتمع وفق القوانين المعمول بها والعمل على الحفاظ على المشترك من القيم لتحقيق الانسجام والتناغم المطلوب لوحدة الدولة والمجتمع وإنما الذي حصل هو تطبيق معايير أخرى من استعمال القهر والتعسف وتغييب القيم الدينية في عملية التعايش المشترك فحصلت رغبة في تنظيم الاختلاف بعيدا عن السياسة وبإبعاد كل ما له علاقة بالشأن الديني.

الملاحظة الثانية هي ضرورة استحضار ما حصل على المستوى العالمي قبل الثورة من أزمات مالية حادة تمت معالجتها بقيم مخالفة للنظرة السياسية وبعيدا عن تدخل الأخلاق والقيم بما يعني أنه  كان هناك مشهد دولي في حل الأزمات من خارج المنظومة الأخلاقية ومعانيها في الممارسة السياسية ما أدى الى فقدان الأخلاق والقيم في المعاملات المالية والعلاقات بين الدول والشعوب و هذا الوضع لا يزال متواصلا فيما نراه من تصرف للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع دول الخليج حيث غابت السياسة والأخلاق وحل محلهما منطق العلاقات المالية ومنطق البيع والشراء .

يعتبر احميدة النيفر أن هناك التباسات نحتاج أن نرفعها قبل الشروع في عملية الإصلاح التي نصبو إليها  منها التباس التماهي مع الغرب في تجربته للإصلاح الديني ونعني به سؤال هل أن التجربة الأوروبية في الاصلاح الديني المسيحي صالحة  لنا وتوجب أن نحذو حذوها في عملية الاصلاح المنشودة ؟ وهل علينا أن نستنسخ التجربة الغربية في مضمونها وطريقتها ومنهجها وآلياتها ومفاهيمها أم أن عملية الإصلاح التي نطالب بها تختلف في مسارها ومضمونها عن تجربة الإصلاح الديني كما عرفها العالم المسيحي ؟ لذلك من الضروري أن نتساءل هل أن التجربة الأوروبية هي مرجع لنا في الفهم وفي التحديث خاصة إذا علمنا أن أوروبا قد عرفت سلطة الكنيسة على الأرض وكانت تتدخل في كل شيء حتى في تقرير المعرفة كما عرفت صراعا مريرا مع رجال الدين في حين أن السياق في العالم العربي لم يعرف هذا النوع من السلطة وهذا النوع من الصراع فالتجربة التاريخية في الإسلام لم تعرف مثل هذه الهيمنة الدينية على السياسة وقد كانت سلطة الدولة محدودة فممارسة التعليم و الصحة والتجارة كان حرا من دون تدخل من الدولة ومفهوم السلطة عند المسلمين حتى القرن 19 ميلادي كان مختلفا عما كان ممارسا في أوروبا المسيحية حيث كانت مهمة السلطة في العالم الاسلامي هي تنظيم المجتمع لا غير وصورة الفقيه الذي يحدد دور السلطان لم تكن موجودة  في الغالب كما سادت بقوة في العالم المسيحي.

ومنها إدراك أن الشأن الديني اليوم لم يعد صورة واحدة وإنما هو شؤون دينية مختلفة بحيث لدينا اليوم شأن ديني تعبدي ولدينا تعليم ديني ودار للإفتاء وبحث ديني أكاديمي وجامعة الزيتونة وكلية الآداب التي لها اهتمام ديني ومجلس الإسلامي الأعلى إلى جانب التدين الشعبي والتدين الصوفي ولدينا التدين الوافد وتيارات دينية مختلفة مع المذاهب الفقهية وكل هذا النسيج الذي يشكل الفضاء الديني ليس له من خيط ناظم ولا خيط رابط بينه فهذا التشظي يفتقد لرؤية تجمعه والسؤال هو كيف نخرج من هذا الاتساع ونحقق التناغم والانسجام ؟

الالتباس الثالث يهم فهم الصيرورة التاريخية لعلاقة الدولة الوطنية بالدين ومعرفة هل بدأت هيمنة السياسي على الديني مع الرئيس بورقيبة أم قبل ذلك ؟ تاريخيا بدأ تدخل الدولة في الشأن الديني ومحاولة التحكم فيه وتوجيهه مع الدولة الحسينية التي وظفت المجال الديني في استقرار الدولة ودوام الحكم وما فعله بورقيبة هو أنه أعطى لهذا التدخل طابعا رسميا. صحيح أن دولة الاستقلال لها إيقاعها خاص لكن أزمة الدين بدأت مع الدولة الحسينية ويكفي أن نذكر هنا بكتاب مهم " لبيرم الأول " عنوانه " رسالة في السياسة الشرعية " الذي نجد فيه كيف أن الفقيه الزيتوني يريد أن يعرض خدماته على الدولة وعلينا كذلك أن نذكر بموقف المجلس الشرعي من عهد الأمان وطلب الباي آنذاك أن ينظم المجلس لهيئة تحرير هذه الوثيقة السياسية الهامة للبلاد وكيف أن أعضاء المجلس الشرعي رفضوا هذه الحركة الاصلاحية التي يقودها الباي وعلينا أن نذكر كذلك بالصراع الذي دار داخل المؤسسة الزيتونية منذ بداية القرن التاسع عشر ومحاولات إصلاحها من الداخل وهنا نشير إلى كتاب الشيخ الطاهر بن عاشور " أليس الصبح بقريب " الذي ألفه سنة 1910 وكذلك الجهد الكبير للمصلح الشيخ عبد العزيز الثعالبي ومقالاته في الاصلاح الديني التي حصلت له بسببها معارضة شديدة وناله بسببها ما ناله .

الالتباس الأخير يهم مفهوم الدولة بحيث إذا أردنا أن نصلح من الشأن الديني فإن المدخل الرئيسي هو تحديد مفهوم الدولة خاصة وأنه تاريخيا عرفت تونس تصورا للحكم لا يقوم على احتكار الدولة للشأن الديني في المجتمع وهو ما يعرف بالمفهوم الرخوي للدولة فهل علينا ونحن نستعد للإصلاح أن نستعيد هذا المفهوم أم أن نتبنى مفهوم الدولة الراعية والحامية والمسيطرة على الشأن الديني والدولة التي تهندس كل شيء ومفهوم الدولة التي يكون فيها الشعب غير عارف بمصلحه ؟  علينا أن نحدد علاقة الشأن الديني بالدولة هل نريد دولة قابضة وحاوية للجميع ؟ أم نريد دولة ترقى بدوافع الاختلاف وتسمح بالوصول إلى بدائل مشتركة والتي تحقق التعايش المتزن في المجتمع ؟

لكل هذه المخاوف وهذه الالتباسات أرى أن الدولة تاريخيا قامت بإصلاح الشأن الديني وتدخلت في مجاله وحاولت التحكم فيه فكان من نتائجه ما حصل مع تجربة نظام بن علي من قحط وجدب في الحياة الدينية للمجتمع وفي المقابل عرفنا بعد الثورة صورة الدولة التي رفعت يدها عن كل تدخل في الشأن الديني فحصل الانفلات والتسيب والتحدي اليوم هو في القدرة على الوصول إلى نوع من التعاقد بين الجميع يجعل من الشأن الديني مسؤولية الجميع وأن الدولة  من واجبها عندما تكون راعية وحاضنة للاختلاف أن ترتقي به الى مرتبة أفضل.