نوفل سلامة يكتب لكم : قابس بين فكي غياب التنمية وتدهور الوضع البيئي

11 جويلية 2019  (10:05) صالون الصريح

كتب نوفل سلامة 

تقول المعطيات عن الوضع البيئي أن تونس ليست في معزل عن ظاهرة التلوث البيئي الذي تعرفه الكثير من الدول العالمية وخاصة دول العالم الثالث ومن بينها الدول العربية كما تنبه المعطيات العلمية إلى أن مخاطر التلوث بأنواعه وخاصة الهوائي والمائي يزيد من تعرض الإنسان لمختلف الأمراض المزمنة القاتلة ويؤثر بقوة على صحة المواطن وله تأثيره المباشر على تقلص أمل الحياة عند الولادات وعلى تراجع معدل سنوات الحياة حيث تفيد الاحصائيات أن تلوث الهواء في تونس قد أدى خلال سنة 2017 إلى وفاة 5760 شخص وذلك بنسبة 15 شخص في اليوم في تطور مخيف عما كان عليه الوضع في سنة 2000 أين كان معدل الوفيات بسبب التلوث الهوائي في حدود 11 حالة يوميا.

ومما يزيد الأمر حيرة بخصوص الوضع البيئي عموما في بلادنا أن المتابع لهذا الموضوع يلاحظ عدم اكتراث السلط المسؤولة بهذه القضية الحياتية وغياب الإهتمام الجدي من طرف كل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتقليص من حدة المخاطر التي تنتظر البلاد وتهدد الإنسان في حياته ووجوده وهي مخاطر نبهت إليها العديد من التقارير والدراسات العالمية والمحلية في ظل ارتفاع المؤشرات السلبية عن تواصل التلوث البيئي في السنوات المقبلة وتمدده في الفضاء الجغرافي وتوسعه بصفة واضحة .

لكل هذه المخاطر التي تهدد المجال البيئي في تونس ولكل هذه الأرقام المخيفة عن الوضع الصحي للشعب ، فكرت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات أن تفتح الملف البيئي وأن تساهم من موقعها في طرح هذه القضية المسكوت عنها أو التي لا يتحدث عنها بالقدر الكافي وهي قضية لم تأخذ ما تستحق من العناية غايتها من وراء ذلك محاولة لفت أنظار المسؤولين والسياسيين والمجتمع المدني إلى ضرورة إيلاء قضية البيئة في تونس الأولوية وقد اختارت المؤسسة أن تتناول في ندوتها الأسبوعية ليوم السبت 6 جوان الجاري ملف مدينة قابس وما تعرفه من مظاهر تلوث خطيرة عرضت صحة المتساكنين إلى مخاطر بيئية حادة أثرت سلبا على حياتهم وعلى جمالية مدينتهم وحولتها إلى فضاء ملوث غير مرغوب السكن فيه والعيش وذلك بسبب تركيز وحدة صناعية تنشط في معالجة مادة الفسفاط في مكان قريب جدا من مناطق العمران ما حول حياة الناس الى جحيم وهدد صحتهم وأرهق عيشهم وقد زادت المخاطر بعد أن تسبب إلقاء فضلات المجمع الكيميائي من مادة الفوسيوجيبس في خليج قابس من تلوث كبير للبحر ومكوناته من سمك ونيات بحري فضلا عن التلوث الهوائي الذي تخلفه مداخن المجمع وهذا يعني أن هذه المدينة العريقة والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى زمن قديم كانت توصف فيه بأنها جنة فوق الأرض بفضل اجتماع عناصر طبيعية متعددة حيث جمعت بين الواحة والبحر والجبل والصحراء لتجعل من هذه المدينة فضاء خلابا كان من الممكن أن يتواصل لو عرفت الحكومات المتعاقبة كيف تستفيد منها لتجعلها قبلة سياحية عالمية حيث تذكر كتب التاريخ أن قابس أو " تكاب القديمة " كما كانت تسمى والتي أسسها على اختلاف بين المؤرخين إما الفينقيون أو البرابرة كانت مركزا حضاريا مشعا في الحضارات القديمة ومركزا تجاريا لعب دورا كبيرا في زمن الرومان والقرطاجنيين بفضل موقعها الاستراتيجي الهام الواقع بين الطرق التجارية التي تربط المشرق بالمغرب بالمحطات التجارية الإفريقية حيث فهمت كل الشعوب الوافدة على بلادنا أن لهذه المنطقة موقعا استراتيجيا في جلب الثروة و تحقيق الازدهار والتقدم لذلك كانت قابس دوما محل نزاع وصراع بين كل الامبراطوريات التي حكمت تونس على من يسيطر عليها غير أن هذه الأهمية قد تراجعت في الأزمنة الأخيرة وخاصة في مرحلة الاستقلال حيث غيبت دولة الاستقلال الاهتمام والعناية التي تستحقهما المدينة.

و للحديث عن الوضع البيئي في قابس وعن المخاطر التي تتعرض لها نتيجة التلوث الذي تتسبب فيه مصانع تحويل الفسفاط بالمنطقة الصناعية جراء إلقاء فضلات تحويل مادة الفسفاط في البحر استدعت المؤسسة الطاهر خواجة الخبير الدولي في مجال البيئة والرئيس المدير العام السابق لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي في الفترة المتراوحة بين 2013 حتى 2016 باعتباره أحد الذين اشتغلوا على الملف البيئي في مدينة قابس وأحد الذين كانت لهم رؤية في معالجة المخاطر البيئية التي يتعرض لها السكان جراء تركيز هذه المصانع بالمنطقة.

ينطلق السيد طاهر خواجة في تناوله لما تتعرض له مدينة قابس من مخاطر بيئية وصفت بالكارثة البيئية مما وصفه بالأخطاء التي ارتكبت منذ البداية : الخطأ الأول تمثل في تركيز منطقة صناعية متخصصة في نشاط مصنف صناعة ثقيلة تمثل تهديدا للبيئة في قلب المناطق العمرانية والخطأ الثاني كان عدم التفكير في حماية المائدة المائية جراء الاحتياج الكبير للماء في معالجة الفسفاط مما أثر على تزويد السكان من الماء الصالح للشراب بعد تقلص المخزون المائي والخطأ الثالث هو إلقاء فضلات المجمع الكيميائي من مادة الفوسبوجيبس في البحر وتأثيره على الثروة السمكية والإنتاج النباتي في البحر الذي يحتاج إليه في حماية الثروة السمكية وحماية تكاثر السمك وتحقيق التوازن الايكولوجي في المحيط.

ولمعالجة هذه المخاطر قدم الطاهر خواجة مشروعا تبناه المجمع الكيميائي يشتمل على أربعة محاور المحور الأول هو الكف عن استعمال المياه الجوفية التي هي في حدود 10 مليون متر مكعب في السنة. المحور الثاني تناول الحد من الانبعاثات الغازية وإزالة الروائح. المحور الثالث تركز على الحد من التلوث البصري المتسبب فيه مداخن المجمع الكيميائي و المحور الرابع هو الكف عن رمي مادة الفوسيوجيبس في البحر. لكن المشكل الذي حال دون تحقيق هذا البرنامج البيئي للتخفيف من وطأة التلوث على مدينة قابس كان الإجابة على سؤال كيف يمكن أن نوفق بين المحافظة على نشاط المصانع المركزة بالجهة والتي توفر يد عاملة معتبرة وتساهم في تحقيق الثروة وفي نفس الوقت تحقيق التوازن البيئي المطلوب وتمكين السكان من العيش في محيط سليم ودون مخاطر تخلفها معالجة مادة الفسفاط؟ وكيف يمكن ان نحافظ على هذه الصناعة الثقيلة التي تركزت بالجهة والتي هي أحد عناصر قوة الاقتصاد التونسي مع المحافظة على المائدة المائية والمحافظة على سلامة البحر من التلوث والمحافظة على الهواء من الانبعاثات الغازية ؟ وفي الأخير كيف يمكن أن نحقق المعادلة بين البعد الاقتصادي للجهة و البعد الصحي للمواطنين مع البعد الاجتماعي الذي يفرض على الدولة توفير مواطن شغل كانت مصانع تحويل الفسفاط أحد خيارات التشغيل التي تعتمد عليها ؟.

هذه الصعوبة في تحقيق المعادلة بين البعد التنموي و البعد البيئي الصحي لولاية قابس أو كيف يمكن أن نحافظ على المجمع الكيميائي وفي نفس الوقت نمكن شركة  فسفاط قفصة من مواصلة نشاطها مع تمكين السكان بهذه الجهة من بيئة سليمة ونظيفة دون تلوث أو مخاطر بيئية تهدد صحتهم كان الهاجس الذي حكم هذه الندوة وكان محور اهتمام المحاضر الذي قدم مقاربة معقولة للإجابة عن شواغل الناس بخصوص السؤال البيئي حيث اعتبر أن جهة قابس تحتاج إلى رؤية بيئية وسياسة حكومية للتخفيف من وطأة التلوث البيئي وفي نفس الوقت المحافظة على مواطن الشغل للكثير من العائلات وذلك من خلال مشروع كبير لتحلية مياه البحر لتوفير الماء اللازم في معالجة مادة الفسفاط و بهذا يتم المحافظة على المائدة المائية وعدم تعريض الناس لفقدان ماء الشرب وإدخال تعديلات على المداخن الموجودة في المصانع لتجنب التلوث البصري وذلك ببناء مداخن أطول كما يمكن استعمال تقنية أخرى للتصرف في الدخان المنبعث من المصانع من دون مداخن وأهم فكرة للتخلص من التلوث البيئي هي الكف عن إلقاء مادة الفوسيوجيبس في البحر وذلك بالاستفادة من هذه لمادة التي تعتبر وفق التشريع التونسي من الفضلات الضارة التي يجب التخلص منها وهذه قضية كبيرة اشتغل عليها السيد طاهر خواجة وقد قدم بخصوصها حلولا يمكن أن تعود بالنفع على البلاد ويمكن أن توفر عائدات مالية معتبرة لخزينة الدولة لو عرفت الحكومات المتعاقبة والتي سوف تأتي في المستقبل كيف تستفيد منها بدل رميها في البحر وما يخلفه هذا الاتلاف من مضار للبحر ومكوناته.

يعتبر المحاضر أنه وعلى خلاف البلدان الأخرى المنتجة للفسفاط  فإن فضلات الفسفاط التونسي من مادة الفوسيوجيبس قد ثبت علميا أنها غير ضارة ويمكن الاستفادة منها وتحويلها إلى مادة تباع في الأسواق العالمية بعد معالجتها بمادة أخرى كما أن الخاصية التي يتوفر عليها الفوسيوجيبس المحلي يمكن أن يستفاد منه في معالجة ملوحة الأراضي لجعلها صالحة للزراعة ومن ثم الاستفادة من الكثير من الأراضي غير المستعملة لملوحتها في الانتاج الزراعي وأخيرا يمكن استعمال هذه المادة في انتاج الاسمنت بما يعني أن الفكرة التي يقترحها الطاهر خواجة و كل هذه الحلول كان قد طرحها على الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في محاولة لإيجاد الحلول الممكنة والمتاحة للتخلص من التلوث البيئي بمدينة قابس في مقاربة متكاملة تجمع بين البعد التنموي والبعد البيئي ومعادلة تجمع بين المحافظة على النشاط الصناعي للجهة وما يوفره من مواطن شغل إلى جانب المحافظة على سلامة البيئة وسلامة صحة المواطنين من كل المخاطر التي يفرزها مثل هذا النوع من النشاط لكن المشكل الذي وقفنا عليه في هذه الندوة كما هو الشأن في الكثير من القضايا الأخرى التي تم إثارتها في مؤسسة التميمي لا تلقى آذانا صاغية من الماسكين بزمان الحكم ولا يتم الإصغاء إليها من طرف الطبقة السياسية ولا يهتم بها في معالجة مشاكل المواطنين لنجد أنفسنا أمام حكومات بلا سياسات واضحة في المجال البيئي ولا برامج حقيقية  في التصدي لمظاهر التلوث التي تعاني منه الكثير من مدننا من بينها مدينة قابس .

لكن السؤال الذي يطرح اليوم في مواجهة المخاطر البيئية التي تهدد ولاية قابس إذا كانت الدولة بكل أجهزتها وإمكانياتها عاجزة عن تطبيق الحلول التي استمعنا إليها فلماذا لا يبادر القطاع الخاص ويتولى معالجة الفضلات التي تخلفها معالجة الفسفاط من مادة الفوسيوجيبس وتحويله إلى مادة مرغوب فيها عالميا وذلك في إطار التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص وفي إطار الشراكة بين تدخل الدولة وتدخل الخواص في المجال الاقتصادي ؟ و لماذا لم نجد من الخواص من تبنى الملف البيئي في جهة قابس وتقدم لانجاز مشاريع استثمارية لتحلية مياه البحر والاستفادة من مادة الفوسيوجيبس طالما وأن الحلول التقنية ممكنة وأن الدعم المادي والموارد المالية متوفرة ؟ ربما الجواب عن كل هذه الأسئلة يكمن في الرأي الذي يقول بأنه صحيح بأن الدولة لا تقدر بمفردها أن تحقق كل شيء ولكن في المقابل هناك جهات نافذة تمنع صعود أي قوي اقتصادية جديدة من خارج دائرة اللوبي الموجود والمهيمن اقتصاديا وهو لوبي يحول دون ظهور جيل جديد من المستثمرين للاشتغال في أنشطة قد تحول جهة قابس وجهات عديدة أخرى إلى منطقة جالبة للاستثمار ومنطقة مزاحمة لجهات الساحل اقتصاديا وسياحيا فماذا لو تحولت جهة قابس إلى قبلة سياسية كبيرة وواجهة جديدة للسياحة العالمية بعد القضاء على المخاطر البيئية فهل سيقبل النافذون اقتصاديا والماسكون بدواليب السياحة في تونس ؟  إنها لعبة موازين قوى ولعبة خيارات قوة متصارعة حول من يستفرد بالثروة في تونس ومن يتحكم فيها ؟ فوراء الملف البيئي في قابس صراع إرادات وصراع مصالح وصراع سياسة وطنية وأخرى مرتهنة لقوى استعمارية قبل أن تكون مجرد إرادة  سياسية مفقودة .