تحليل سياسي : تونس ليست لبنان والديموقرطية التوافقية ليست ديموقرطية‎

12 سبتمبر 2019  (10:16) صالون الصريح

كتب نصري الصايغ      

تونس لا تشبه لبنان. شعبها أطاح بالديكتاتورية. انتظمت العملية السياسية. الشعب مصدر السلطات. الشعب يحاسب. التجربة الديمقراطية تتقدم.

السودان لا يشبه لبنان. شعب السودان اطاح بالديكتاتورية. شعب خرج إلى الشوارع. تضرَّج بالدم ومارس البسالة. لم يقبل قبضة العسكر. حقق نصف انتصار، وامامه فرصة ديمقراطية صعبة. شعب السودان، ليتنا نقلده.

الجزائر لا تشبه لبنان. اطاح بالديكتاتور وزمرته الفاسدة. انه في الشارع منذ ثلاثين اسبوعاً. يرفض املاءات العسكر. يريد دولة مدنية، وديمقراطية. العسكر لا يصنع ديموقراطيات البتة. مكانه الثكنات فقط.

إلى آخره من لأمثلة. شعب لبنان لا يشبه ما يسمى بالشعب. هو شعوب فاخرة الملبس والمأكل والمشرب. يتباهى اللبناني بأنه متقدم جداً، وحضاري جداً، في محيط متخلف. هذا كذب ورياء وادعاء. أكثرية الشعب اللبناني الساحقة تشبه الطبقة السياسية. هذه الطبقة، تبَّاً لها. لديها قطعان تلد قطعاناً من الموالين لعصابات النهب والسرقة. هذه الأكثرية، لا يحق لها أن توجه أيَّ لوم او شتيمة او محاسبة لهؤلاء الحكام، الكبار والصغار، وفي كل المؤسسات والادارات. الفساد اللبناني دين شعبي. هذه الأكثرية فاسدة، تنتخب قيادات تشبهها. هنا الناس على دين ملوكها. وملوكها ممهورون بالفساد. أما الأقلية الصامتة، فلا يُسمع لإقدامها وقبضاتها أي صوت في الشارع. إنها أقلية خاسرة.

لا يحق لمن هم تحت، من الشعوب الخائرة، أن تفاخر بالديمقراطية التوافقية ابداً. الديمقراطية التوافقية لا تشبه ابداً الديمقراطية الديموغرافية. ذئاب تعوي في مواجهة ذئاب تعوي أكثر. هذه “ديمقراطية” الإفتئات والاحتكار والانتهاز. يكفي أن علتها تفضحها. لا مساءلة ابداً في الديمقراطية التوافقية. خذوا هذا الدليل، لا وجود لأي سارق وناهب وفاسد، بين الآلاف الفاسدة، خلف القضبان.

الفساد نظام معمَّم. التحت يشبه الفوق. خذوا البلديات وانتخابات المخاتير. تركيبة المجلس البلدي، “توافقية”، تشبه التنصيب الوزاري. لكل طائفة حصة. وفي البلدات، لكل طائفة حصة، ولكل عائلة حصة، ولكل تيار حصة. انه النموذج نفسه. وتندفع اصوات المقترعين للمجالس البلدية، بالزخم الطائفي والعائلي والعشائري، تماما كما يحصل في تأليف الوزارات، وفي توزيع التعيينات، وفي احتكارات الغنائم. “الشعوب” اللبنانية، تشبه قادتها. انها “شعوب” فاسدة، وتحاضر في العفاف، وترفع الصوت غاضبة، بسبب فساد الشريك الطائفي، وليس بسبب فساد فريقه الطائفي.

جواباً عن السؤال، لماذا الشارع اللبناني صامت، الا من اصوات خافتة، قليلة الاعداد، شحيحة الاقامة؟ لماذا لا نشبه شعوباً أخرى، تراقب وتحاسب وتعاقب وتنتخب بحرية؟ لأن كل واحد من القطعان الطائفية، شريك في الفساد، او، يقدم الولاء لزعيمه الفاسد، على العدالة والقانون.

المجموعات المدنية التي تتحرك، ايقاعها غير مسموع. ترفع مطالب، أكبر منها بكثير. تطالب بالتغيير. عبث. هذا الشعار صعب التحقيق، إن لم يكن مستحيلاً. تطالب بالإصلاح والمحاسبة والشفافية. هذا فوق طاقتها. المشكلة اللبنانية ضخمة جداً. ثقيلة جداً. الفساد والإفساد محروسان. شفاؤه الكاذب بالمحاصصة.

ماذا تستطيعه هذه الفئة القليلة والنبيلة؟ اكاد اقول لا شيء. انها صوت صارخ في البرية. تبرئ ذمتها. حسنا. لكنها صوت بلا صدى. ضعفها، بسبب شلليتها وحصريتها وتفتتها. لا جامع مشتركاً بينها. الشارع يفضح هذه القلة. في السودان عشرات الألوف. اقفلوا الطرق في معظم المدن والمقاطعات. في السودان قوى معارضة متآلفة. احتلت الشارع ولم تخرج منه. بيروت فقيرة جداً. ليس في شوارعها سوى اكتظاظ المركبات والدراجات. المشاة الغاضبون مقيمون في بيوتهم ومكاتبهم، ويكيلون النقد الصحيح، الذي لا يترجم بنقضٍ تعبر عنه اقدام راسخة في طول الشارع وعرضه ولعدة ايام واسابيع، وقادرة على الصبر ومقدامة، ولا تخشى القمع ابداً.

لا.

بيروت ليست الجزائر.

بيروت ليست تونس.

لبنان ليس السودان.

إذا ماذا؟

الجواب في عهدة الأقلية المستقيلة، او الاقليات المكتفية بصوتها.

علينا أن ننتظر كثيراً. البلد على حافة الانهيار، وقادة الانهيار، أكثرية موصوفة ومؤيدة من “شعوبها”. لا خوف عليها. انما، كل الخوف منها.

الجواب عن السؤال ممكن، عندما تصير القبضات بديلاً عن الكلام والسباب واليأس