أحمد القديدي يكتب لكم: الدولة العربية بين الشرعية والتمرد عليها

17 جانفي 2020  (20:09) صالون الصريح

كتب: الدكتور أحمد القديدي
مما لا يختلف فيه إثنان اليوم هو أن الأزمات الحادة التي تعصف بالعالم العربي تكمن في صراع بين الشرعيات و بين التمردات عليها و بتفاصيل طفيفة فإن تمرد الميليشيات الممولة من خارج الأوطان موجه ضد الشرعيات حتى لو كانت هشة وهي لحظة فاصلة نعيشها اليوم في العالم العربي تمثلت في القاهرة بتغيير محمد مرسي المنتخب بقيادة انقلابية فرضها الجيش و تحول قضاء مصر العريق الى مهزلة و اعلامها الذي تعلمنا منه الى (سرك بهتان) و تمثلت في تونس في محاولة إنقاذ المسار الديمقراطي من التلاعب الخارجي بقوة الأموال حتى يجهض أعوان الثورة المضادة طموحات الشعب التونسي و يعيد الانتهازيون الحكم للاستبداد ضد إرادة الشعب التونسي و في ليبيا التي تتعرض لمؤامرة دولية من الصهاينة العرب الجدد لتدمر طموحات شعبها بإعادة تدوير الجهاز الاستبدادي من خلال عسكري متمرد مهووس بالحكم و في العراق و ايران توقد نيران الطائفية و الكراهية التي يشعلها الأباطرة الغربيون الجدد و في اليمن لا تهدأ لعلعة السلاح و القصف لتقضي على ما تبقى من شعب اليمين السعيد. وجدنا أنفسنا في كل بلاد العرب و المسلمين أمام ثلاثة سيناريوهات متشابهة يحاول اللاعبون الكبار بها أن يجهضوا طموحاتنا المشروعة للحريات و سيادتنا على ثرواتنا وهذه المخاطر الثلاثة تترابط مثل حلقات سلسلة مخيفة تهدد النسيج الإجتماعي العربي و تربك البناء السياسي الاسلامي و تمهد لخروج العرب و اسلامهم من التاريخ والثلاثة أجندات هي المغامرة و الفوضى و الفتنة تولد جميعا من رحم المصالح الدنيئة الأجنبية المتضاربة ومن رحم الإنتماءات الأيديولوجية المتناقضة بين أبناء الوطن الواحد فيحدث عادة أن تتغلب الحسابات الحزبية الضيقة على مصلحة الوطن العليا (كما في تونس و لبنان و العراق و الجزائر و السودان و سوريا و اليمن بأشكال مختلفة) و أن تطغى المطامع الشخصية المحدودة على الطموحات العامة للمجموعة الوطنية فيقع الكسر الذي لا يجبر في مفاصل المجتمع إلى حين عودة الوعي للنخبة و عودة البصيرة للمواطنين حين يكون جبر الكسر ممكنا و لكن التاريخ أثبت أن الزمن لا يصلح ما أفسده الناس بأيديهم و أن مصائر الشعوب كالزجاج لا يلتئم بعد الكسر. هذا الذي جال بخاطري و أنا أسمع بعض أصوات سياسيين تنادي هذه الأيام باستنساخ التجربة المصرية في تونس و ليبيا و السودان و الجزائر و نقل حركة (تمرد) من ميدان التحرير بالقاهرة إلى شارع بورقيبة بتونس و ساحة العزيزية في ليبيا و شوارع الخرطوم بعد أن تخلص منها الشعب السوداني (و الدليل ما وقع من أحداث مؤسفة يوم الثلاثاء الماضي بين عناصر مسلحة من المخابرات متمردة و بين الدولة). وهي ممارسات انتهازية لم تراع لا خصوصية الشعوب التائقة للحرية و الكرامة و العدل و لا مستقبل الربيع العربي و لا طبيعة المرحلة الهشة التي تمر بها شعوبنا إقتصاديا و إجتماعيا و بالتالي سياسيا. ثم إن فشل الانقلاب العسكري المصري لم يعد خافيا عن الرأي العام العربي و الدولي لأنه حراك مرتجل دبره أفراد يحصون على أصابع اليد و لعله أخذ بخاطر أطراف أجنبية عن مصر وهو إلى حد الساعة لم يثمر إستقرارا منشودا و لم يحقق عودة ملايين المصريين إلى بيوتهم و أعمالهم ولم ينفذ وعود إنجاز شرعية جديدة بسبب تكاثر الشرعيات و تناقضها ومن العبث استنساخ تجربة مصرية مريرة لم تؤكد بأنها الأنجع و الأصلح بل أجهضت ثورة 25 يناير و دمرت مسارها و ألغت تطبيق مستحقاتها و تحقيق غاياتها و خلقت هذا الإنشطار (أي إنقسام الشعب المصري إلى شطرين) الذي لا تحمد عقباه و فتحت الأبواب في وجه المجهول. إننا نعتقد في تونس أن أخطاء من حكموا بعد 14 يناير 2011 في تحقيق وعود الثورة و غاياتها لا تبرر فتنة يوم واحد فالوفاق المطلوب لم يتحقق الى اليوم و لم يسع إليه الحاكم و المعارض على حد سواء و ظلت الحوارات هنا و هناك تسمع لها جعجعة إعلامية و دعائية ولا ترى لها طحنا كما يقول المثل العربي و اليوم تونس الثورة بلا حكومة لكن الدستور ضمن الحلول و الأمر بيد الرئيس قيس سعيد يشكل حكومة تتوافق مع رؤيته في أن الشعب يريد و الدولة تحقق له ما يريد و حتى يدعو لمؤتمر حوار و وفاق لا أن نخرج من حوار لحوار دون حوار لأن تيارات غابت بسبب رفضها لتيارات أخرى أو لأن هذا الحزب يصر إصرارا و يلح إلحاحا على أن عقيدته هي الأفضل و فكره هو الأصلح فما جدوى الحوار بين نخب تتشبث برأيها مع إعتبار رأي الطرف المقابل مجرد تهريج أو "تحركه أياد خفية أما الفتنة فتبدأ من إلغاء الرأي المختلف والإفراط في الثقة في النفس التي تتحول إلى نرجسية مرضية فيتمترس كل حزب بما لديهم فرحون و يقع إيصاد اللعبة السياسية بصم الأذان عن سماع أي صوت مخالف. و لا نفهم كيف يرضى بعض الفرقاء بفتح باب المغامرة في لحظات تاريخية مفصلية هامة و دقيقة من واقع تونس لأن معضلاتنا الإقتصادية و مشاكلنا الإجتماعية ما لبثت تتفاقم على وقع تناقص الإستثمارات و تقلص السياحة و ازدياد حجم الديون و ارتفاع كلفة العيش ومراوحة حالة البطالة الشبابية مكانها إذا لم تتصاعد درجاتها و تتسع مجالاتها (800 طبيب تونسي هاجروا سنة 2018 الى أوروبا للعمل !). فالبلاد في أشد الحاجة اليوم إلى بوصلة تهدينا لأقوم المسالك و إلى زعامة قوية و عادلة تقود هذا المركب التائه في لجج اليم الطامي و إلى توافق.. على أن أمن الوطن والمواطن إذا ما عرفت الدولة كيف توفره هو الضامن الأول لسلامة المسار الديمقراطي يليه الحوار الصادق و العميق الذي سيؤسس للوفاق. و ما عدا هذا المسار السليم فهو جر للبلاد و العباد نحو الفتنة وهي كما نعلم أشد من القتل.