نوفل سلامة يكتب لكم : هذه هي لينا بن مهني التي رأيتها وبقيت صورتها عالقة بذهني

28 جانفي 2020  (09:58) صالون الصريح

كتب نوفل سلامة

التقيت بها مرة وحيدة وكانت هي المرة الأخيرة .. كان لقاء خاطفا لم تسمح فيه الظروف بالحديث إليها لأكثر من بعض الثواني للسؤال عن حالها وحال صحتها .. لم يكن الظرف مناسبا للحديث حول الهموم التي تسكنها وعن حلم الثورة التي آمنت بها و خيبات المآل التي كسرت حلمها.. كان حديثا جانبيا سريعا فالمناسبة كانت استضافة مؤسسة التميمي في سنة 2017 لوالدها الصادق بن مهني المناضل اليساري المعروف وأحد المؤسسين لمجموعة آفاق الماركسية لتقديم روايته " سارق الطماطم أو زادني الحبس عمرا "  التي يروي فيها قصة اعتقاله في الزمن البورقيبي و مسيرته النضالية التي تعد شهادة مهمة عن فترة من تاريخ تونس عرفت بكثرة الاعتقالات والمحاكمات السياسية وتميزت بالاستبداد في الحكم وباحتكار ممارسة السلطة كان من نتائجها تشتت جماعة آفاق وتوزع أفرادها في أحزاب واتجاهات شتى بعد دخول الكثير منهم إلى السجن وما نتج عن ذلك من بروز خلافات فكرية حول طبيعة الممارسة السياسية وطبيعة التغيير الذي يتبناه اليسار الماركسي .

كانت هذه المرة الوحيدة التي رأيت فيها هذه الفتاة المناضلة في صفوف اليسار والمعارضة الشرسة لنظام بن علي لينا بن مهني  كان الانطباع العام الذي حصل لي وقتها و كلما نظرت إليها أني أمام فتاة حزينة و أمام شابة تأسرها مشاعر الألم والإحباط  .. كانت ملامحها تعبر عن انكسار كبير ووجع أكبر .. في الحقيقة لم يكن كل هذا العجز الذي ظهر على ملامح لينا بن مهنى مأتاه وسببه مرضها الخطير الذي قلص من حركتها وجعلها تقلل من نشاطها السياسي الذي تربت عليه وعرفت به  ومارسته بكل حماس وعفوية في زمن الجمر وفي وقت كان الكلام فيه قليلا والمعارضة عواقبها وخيمة.

كان الحزن الذي طغى على ملامحها سببه شعورها بخذلان رفاق دربها وعجزهم عن الوفاء للأفكار التي ناضلوا من أجلها .. كان الهم الذي يأسرها مرده ضياع بريق الثورة وانطفاء وهجها بعد أن عاينت كيف ضاع الحلم وكيف تلاشت الأحلام .. كان حزنها الذي ميز صورة وجهها نابع من الفشل الذي رافق مسار الثورة وعجز من قام بها على مواصلة مشوارها وتنكر من اؤتمن عليها من تحقيق أهدافها كانت تنتمي إلى جيل تربي على القمع والاستبداد وناضل وعارض من أجل غد افضل ومستقبل مختلف لكن الثورة أهدرت كل هذا الحلم لتحصل المرارة ومعها تحصل الغربة والاغتراب القاتلين في وطن حلم به الكثير من الشباب ومنهم لينا بن مهني أن يكون أفضل من دون الرئيس بن علي.

هذه هي  لينا بن مهني التي رأيتها وبقيت صورتها عالقة بذهني إلى أن سمعت خبر وفاتها بعد صراع مع المرض انتهى في الأخير بهزمها كما هزمها ضياع حلم الثورة .

هذه هي لينا بن مهني الفتاة التي لم تعش حياة عادية وطبيعية كما عاشها غيرها من فتيات جيلها هذه هي لينا المدونة المعروفة التي كانت مع آخرين من أبرز المدونين الذين ساهموا في اسقاط نظام بن علي بكسرها الطوق الذي ضربه على حرية الإعلام وبتجاوزها حاجز الرقابة التي فرضها على شبكة الانترنات لم تكن تخاف يوما أن يتم اعتقالها كانت تصرخ عاليا لتعرية فساد النظام القديم كانت تكتب تدويناتها في زمن الاستبداد تحت إسم  "بنية تونسية " حتى وصل صوتها إلى العالم كله ومن هنا شعر بن علي بالخطر فبدأ في محاصرة المدونين وفي حجب المواقع الاجتماعية ولكن كل ذلك لم يثنها عن مواصلة معارضتها للنظام و القيام بتغطية اعلامية عبر الانترنات لكل ما يحصل في تونس .

ما يعرف عن لينا بن مهني أنها بقيت إلى آخر أيام حياتها وفية لأفكارها ومحافظة على مبادئها الثورية لم تطلب من أحد أن يمنحها عملا فعاشت إلى أن ماتت دون عمل وهي الأستاذة الجامعية وبقيت مؤمنة بالثورة ومدافعة عنها رغم كل الخيبات التي حصلت لها كانت تنتمي إلى جيل آمن بأن الثورة ممكنة في تونس وبأن الثورة هي الخلاص من الاستبداد وهي الطريق نحو الحياة الفضلى .

آخر ما كتبته لينا بن مهنى كانت تدوينة كتبتها يوم الأحد 26 جانفي الجاري في حدود الساعة التاسعة صباحا أي يوما قبل فراقها الحياة وهي عبارة عن وصية لامت فيها الشعب التونسي وكل الذين تعرفهم عنوانها " نحن شعب لا يتعظ من ماضيه ولا يحفظ دروس التاريخ " و مما جاء فيها قولها كأني بنا شعب قصير الذاكرة أو دعني أقول معدوم الذاكرة تستهوينا بعض عروض التهريج في مجلس النواب فنصفق لأصحابها ونعتبرهم من التقدميين ومن المصلحين وننسى عبثهم وفسادهم وقمعهم وحتى عنفهم.

في هذه التدوينة تتهم سلوك عبير موسي السياسيى وحزبها الدستوري الحر وتذكرها بكونها سليلة نظام سياسي عنيف لم ينتج إلا العنف وبكونها قد تربت على ممارسة العنف من أجل ذلك فهي تسمح لنفسها بأن تمارس كل أشكال العنف وما تقوم به من تهريج في مجلس النواب هو من قبيل هذا العنف الذي انتجه نظام بن علي . وتواصل لينا كلامها فتستنكر ما قامت به عبير موسي من إهانتها لشهداء الثورة وجرحاها وتسخر من ادعائها الانتماء إلى العائلة البورقيبية فتقول : " من تدعي أنها بورقيبية لم نرها يوما تدافع عنه في الوقت الذي وجب فيه الدفاع "

ومما ما كتبته لينا في هذه التدوينة قبل وفاتها اتهامها لحركة النهضة بكونها تحاول تقديم نفسها على أنها حزب ثوري والحال -- والكلام للينا - أنها قد تخلت عن هذه الثورية حينما تخلت عن محاسبة الفاسدين وصادقت على قانون المصالحة فالأحزاب الثورية لا تفرض ايديولوجيتها بالعنف وبروابط حماية الثورة وبتزييف التاريخ .. الاحزاب الثورية لا تتماهى في رقصات محمومة مع بقايا الديكتاتورية بأنواعها فلا الدستوري الحر حزب تقدمي ولا النهضة حزب ثوري فلا تنخدعوا بالتهريج وبالمسرحيات. ومن شب على شيء شاب عليه.. كانت هذه لينا بن مهني وكان هذا آخر ما كتبته ولا يسعني في هذه الأسطر المتواضعة التي لا تفي يحق هذه الفتاة المناضلة حقها  إلا ان نطلب لها الرحمة والسكينة والسلامة بعد أن قضت مشوارا لم يدم طويلا في الحلم بالثورة ..