الأمين الشابي يكتب لكم: هل يسمح الدستور للسلط بتقليم أظافر بعضها البعض..؟

24 ماي 2020  (21:05) صالون الصريح


كتب: الأمين الشابي
آسف أن قلت منذ البداية أنّ الشعور العام المتداول تقريبا في كلّ الأوساط السياسية و الإعلامية و حتى الشعبية وأن برلماننا التونسي أصبح مجلسا للنواب لا مجلس نواب الشعب حيث أصبح هذا الأخير الملعب المعشب والحلبة المهيأة لممارسة كلّ أنواع الرياضة من "التكوير في الزناقي و الحوم " بل و حتّى بكلّ مصالح الوطن إلى تعاطي الرياضة النبيلة من "خنيفري" و سباب و عراك مرورا بالقيام بمقابلات دولية و اقليمية و كلّ فريق " وين يحب يكوّر" مع هذا المحور أو ذاك؟ نعم هذا باقتضاب شديد الصورة التي عليها مجلس النواب و لا أقول مجلس نواب الشعب لأنّ لا علاقة لمجلس نوابنا بهموم الشعب و البرامج و الوعود التي انتخبهم على أساسها بل أقول و أجزم و أن أحزابنا الممثلة في مجلس النواب تخوض معاركها الحزبية و الإيديولوجية و تركت جانبا هموم الشعب و ما يعانيه من مشاكل اجتماعية و اقتصادية ليضيف عليها مجلسنا الموقر مشاكله الحزبية الضيقة و رؤاها الإيديولوجية؟
نعم هذه هي الصورة الكاريكاتورية لمجلسنا و حين نترجم هذه الصورة من الرسم الكاريكاتوري إلى الرسم الحقيقي نجد و أنّ الكلّ في مجلس يغنّي على ليلاه و ليلى الشعب الحقيقية ضاعت بين الزحام و كأنّ نوابنا نسوا أن الشعب انتخبهم ليمثلوه و يدافعوا عن مصالحه و يسطروا البرامج التي تتماشى و مصلحة الوطن و الشعب بل دستور البلاد لسنة 2014 - استشرافا لكل زيغ أو انزياح عن الدور الموكول لكل نائب خلال الدورة النيابية -فرض في فصله 58 القسم على هؤلاء النواب قبل مباشرة مهامهم و الالتزام به و فحوى هذا القسم يقول " أقسم بالله العظيم أن أخدم الوطن بإخلاص و أن التزم بأحكام الدستور و بالولاء التام لتونس " من هذا المنطلق و بقطع النظر عن اخلاص النواب في خدمة الوطن هنا أسأل هل فعلا الولاء التام لنوابنا لتونس فقط ..؟
من هذا المنطلق لست هنا لأجيب عن مثل هذا السؤال الكبير و الخطير بل انطلاقا من رصد بعض المواقف و التصريحات و التصرفات لأعلى هرم كلّ من السلطة التنفيذية - و أعني هنا رئاسة الجمهورية - و السلطة التشريعية أشعر و أنّ هنا خلل ما بين هذين السلطتين و أنّ هنالك تعدّ على المهام الدستورية لبعضهم البعض و أشعر في النهاية و أنّ هناك حرب باردة في الخفاء ستفضي إلى صيف سياسي ساخن لا يعلم إلاّ الله ارتداداته و مآلاته و نتائجه و قد بدأت بوادر سخونته في ردّة الفعل التي تضمنتها كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيد في رسائل مبطنة تجاه رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي و كأنّ لسانه يقول كفى استهتارا و التزم بحدود مشمولاتك التي أسندها لك الدستور في إشارة إلى محاولة اقحام البلاد في المحور التركي في حربها في ليبيا و كأنّ رئيس السلطة التنفيذية يذكر رئيس السبطة التشريعية بطريقة غير مباشرة بمقتضيات الفصل 77 من الدستور الذي يقول " يتولى رئيس الجمهورية تمثيل الدولة و يختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع و العلاقات الخارجية و الأمن القومي ...." و ذلك تبعا لتهنئة رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي للسرّاج بعد سيطرة حكومته على قاعدة الوطية الليبية و ما يعنيه ذلك أيضا من انزلاقات على مبادئ الدبلوماسية التونسية التي تنأى بنفسها عن كلّ المحاور بل كرّس رئيس مجلس النواب بتحركه ذاك الاصطفاف وراء المحور التركي الموالي لحكومة السراج و لم يقف عند ذلك الحدّ ليتعمد رئيس مجلس النواب تهنئة رئيس حكومة الوفاق الليبية بمناسبة عيد الفطر و كأنّه حسب بعض المحللين يتصرف كرئيس للدولة التونسية في حين و أنّ الأعراف تفرض تهنئة رئيس مجلس النواب الليبي و و بالتالي هلى مجلس نواب الشعب احترام مشمولات رئيس الجمهورية التي يكفلها له الدستور..
هذا الوضع من تداخل المشمولات و خاصة محاولة اقحام البلاد في سياسة المحاور الاقليمية دفع الكثير من الجهات و أوّلها رئيس الجمهورية لتلك ردّة الفعل خلال خطابه الأخير بمناسبة عيد الفطر ليذكر الغنوشي و أن للبلاد رئيس واحد في الداخل و الخارج و لا و لن تدخل في سياسة الصفقات فضلا عن الأطراف السياسية الأخرى الممثلة في مجلس النواب بالإسراع في تنظيم جلسة مساءلة في حق رئيس هذا المجلس النيابي حول موقف السيد راشد الغنوشي بصفته رئيس للمجلس محاولة اقحام البلاد في المحور التركي من خلال تلك التهنئة لرئيس حكومة الوفاق السيد السراج بعد سيطرتها على قاعدة الوطية؟ و لكن الأسئلة التي تبقى قائمة و ملحة هي بداية هل رئيس الجمهورية يمضي قدما حسب ما يخوله دستور البلاد لجعل حد لمثل هذه الانزلاقات " الدستورية " و بالتالي السطو عليها من تلك أو هذه السلطة في تداخل مفضوح رغم وضوح الرؤية التي حدّدها الدستور و ارجاع الأمور إلى نصابها؟ و ثانيا هل جلسة المساءلة ستكون فعلا توطئة لتقليم أظافر رأس السلطة التشريعية للبقاء في حدود المشمولات التي خوّلها الدستور؟ لننتظر وربّ ضارّة نافعة لإرجاع العقول إلى رشدها و احترام دستور البلاد باعتبار و أنّ قيمة الدساتير عامّة تكمن في الممارسة الحقيقية لمقتضياتها و احترام الحدود التي تبسطها على السلطات الثلاث باستثناء ما نقرّه الدساتير من مجالات التعاون المقنّنة.بين هذه السلطات و خاصة منها التنفيذية و التشريعية.؟