مؤسسة التميمي تفتح الملف الحارق للإعلام: أي حلول وأي مخرج لأزمة كبرى تتخبط فيها الصحافة الورقية؟

15 جوان 2020  (12:47) تقارير خاصة

تغطية: نوفل سلامة

أول ندوة فكرية استأنف بها الدكتور عبد الجليل التميمي النشاط الثقافي لمؤسسته بعد أن اضطر إلى ايقافه نتيجة انتشار فيروس كورنا و تطبيق إجراءات الحجر الصحي الشامل والذي فرضت التخلي عن الأنشطة الثقافية ، كانت حول مأزق الإعلام والصعوبات التي يمر بها القطاع والمشاكل التي يتخبط فيها أصحاب مؤسسات الصحافة الورقية وهي مشاكل مادية بالأساس وهي ندوة كانت في الحقيقة مبرمجة من قبل ولكن الجائحة الوبائية التي حلت بالبلاد فرضت تأجيلها إلى وقت لاحق فكان هذا اللقاء الجديد يوم السبت 13 جوان الجاري بحضور السيدة آسيا العتروس رئيس تحرير بجريدة الصباح والطيب الزهار رئيس الجامعة التونسية لمديري الصحف ومحمد العروسي المدير التنفيذي للجامعة التونسية لمديري الصحف اليومية وحسن الزرقوني مدير عام مؤسسة " سيغما مونساي " والسيد كمال بن يونس مدير عام سابق لمؤسسة مصادرة ولقناة الجنوبية الذي تولى تقديم الندوة وإدارة الحوار فيها.
كان باديا منذ الوهلة الأولى أن هاجس هذه الندوة هو جملة من الأسئلة القلقة تهم مستقبل الصحافة الورقية في تونس والذي يعرف اليوم تحديا كبيرا في سياق عالمي يعرف انحصار كل ما هو ورقي وتمددا كبيرا لكل ما هو تواصل رقمي بعد انتشار التكنولوجيا الحديثة وغلبة كل ما هو افتراضي وكل ما هو تواصل عن بُعد وتهم حال هذا النوع من الإعلام في زمن حضاري تميز بتغير روح العصر فيه بعد أن مالت رياحه نحو التطور التقني وكل ما هو شبكات رقمية..
الواضح أن عصر الورق يعرف أفولا ليحل محله عصر الوسائط المتعددة وشبكات التواصل الاجتماعي أو ما يُعبر عنه بالإعلام الجديد أو البديل أو "إعلام القرب " الذي لا يحتاج فيه المرء إلى شراء جريدة أو مجلة لمعرفة الأخبار وما يجري ويحدث في العالم وفي قطره المحلي أو أن يقرأ كتابا ورقيا ليثقف نفسه ويتسلى معرفيا.
كان السؤال الحائر في هذه الندوة يقول في ظل هذا الواقع الصعب الذي يعيشه الاعلام عموما والصحافة الورقية خصوصا وبأكثر دقة الإعلام العمومي ومؤسساته المصادرة هو هل مازال هناك مستقبل للصحافة الورقية؟ وهل مازلنا في حاجة إلى هذا النوع من الاعلام؟ وهل نحتاج إلى مقاربة جديدة تستجيب لمسار التاريخ والعصر الحالي والذي يعيشه الإعلام وقطاع الصحافة الورقية؟ وما هي الحلول الممكنة والمتاحة لمواجهة الأزمة التي تتعب الصحافة الورقية والمخرج لإنقاذها وحمايتها من الاندثار والاختفاء؟
كان التشخيص الذي قدم في هذه الندوة من طرف كل المتدخلين يتفق على أن الصحافة الورقية تعرف انكماشا بعد تراجع عدد عناوين الجرائد المقروءة وانحصارها وغلق الكثير من مؤسساتها نتيجة تحول المشهد الإعلامي وانتقاله إلى أفق جديد يعتمد على كل ما هو رقمي وكل ما هو إعلام يعتمد على التكنولوجيا الجديدة حيث تفيد الأرقام بأنه لدينا اليوم 7 صحف تصدر يوميا و 4 صحف أسبوعية و 7 صحف شهرية وصحيفتان نصف شهرية وصحيفة واحدة شهرية و 3 صحف تصدر مرة كل ثلاثة أشهر مع ملاحظة مهمة وهو أن أغلب هذه الاصدارات تصدر باللغة الفرنسية وهو عدد قليل مقارنة بما كان عليه الحال قبل الثورة وبما كان معروفا في فترة الاستعمار التي عرفت طفرة في عناوين الجرائد مقارنة بعدد السكان وقتها.
هذا الواقع الذي تعرفه الصحافة الورقية والذي انعكس سلبا على ديمومة المؤسسة وقدرة الجريدة الورقية على الصدور بانتظام يرجعه جل المتدخلين إلى جانب التحول الرقمي إلى غلاء سعر الورق المعتمد وإلى انحصار الإشهارات التجارية وتراجع الاعلانات وإيقاف الاشتراكات في المؤسسات العمومية وتراجع المبيعات وفتور المواطن في اللإقبال على قراءة الصحف، وقد أثرت كل هذه المشاكل على الوضعية المالية للمؤسسات الإعلامية التي اضطر الكثير منها إلى التقليص في عدد صحفييها والتخلي عنهم وإلى عدم خلاص أجور البعض منهم الأمر الذي يهدد القائمين عليها بغلق مؤسساتهم وهو ما حصل فعلا حيث عرف المشهد الصحفي خلال العشرية الأخيرة بعد الثورة إختفاء الكثير من الجرائد واضطرار البعض منها إلى التحول نحو الرقمي لتصبح صحيفة إلكترونية.
في هذا المناخ الصعب والمأزوم الذي تعرفه الصحافة الورقية كان السؤال حول امكانيات الخروج وطرق مواجهة هذا التحدي الجديد الذي فرضه واقع الرقمنة وفرضته معطيات أخرى مرتبطة بالمشهد الاعلامي عموما وحاجته الى داعمين ماليين حيث من دون سند مالي فإن المؤسسة الاعلامية لا يمكن لها أن تصمد وتتواصل في الظهور وتربح معركة المنافسة المفروضة عليها وهنا سؤال كبير حول مدى صحة اعتبار الصحافة والإعلام مؤسسة تجارية عليها أن تعمل وفق منطق التجارة وتتصرف كتاجر في علاقة بدورها الأصلي وهو بث الوعي وتثقيف الناس وتوفير المعلومة وترقية حال المجتمع.
في هذا المناخ المتقلب وفي ظل هذا الواقع الإعلامي وفي ظل ما هو عليه حال الصحافة المكتوبة التي يروج لها بالاندثار لتحل محلها الصحافة الرقمية طرح السؤال كيف العمل لكسب معركة البقاء والوجود بعد أن اختفت عناوين صحفية كثيرة كانت شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ تونس المعاصر وكانت تؤثث المشهد الصحفي لفترة زمنية طويلة ولم يتصور أحد أن تختفي يوما حيث حصل الاجماع على أنه رغم التحولات التي يشهدها العالم وتأثيرات التقلبات في مجال التطور التكنولوجي وغزو الرقمنة كل ميادين الحياة فإن الصحافة الورقية عليها أن تبقى وأن تتواصل إلى جانب الصحافة الرقمية وهذا يعني أنه لا يمكن لنا أن نتصور مثلا مشهدا إعلاميا لا توجد فيه جريدة الصباح رغم الصعوبات التي تعيشها ورغم وضعها المحير وما يعرفه مستقبلها من غموض لكونها من المؤسسات المصادرة المعروضة للبيع والتفويت ولا يمكن أن نجد إعلاما مقروءا من دون جريدة لابراس أو الصريح أو الشروق فكل هذه الصحف وغيرها كثير هي اليوم تمثل ذاكرة التونسيين الكثير منهم تربى عليها والكثير منهم صبغت هذه الجرائد حياته وكانت مصدرا من مصادر معرفته وثقافته بل أن الكثير منها كانت مرافقة لجيل كامل خلال مرحلة من مراحل حياته.
ما تمت ملاحظته وإبرازه هو أن الصحافة الورقية تحتضر في تونس وهو وضع تعيشه الكثير من دول العالم بعد تراجع المبيعات من الجرائد وبعد تقلص إقبال المواطن على القراءة وبعد الصعوبات المالية التي تكبلها نتيجة الأسباب التي تم ذكرها..
ما تمت ملاحظته أن عملية إصلاح ضرورية تحتاجها الصحافة الورقية تأخذ بعين الاعتبار كل المستجدات على المستوى العالمي والمحلي وكل التحولات التي يعرفها المجتمع وخاصة مسألة عدم إقبال التونسي على القراءة وهيمنة الصورة على كل ما هو حرف وكتابة ومسألة طبيعة المجتمع التونسي الذي يمتاز بكون أكثر من نصف سكانه هم من الشباب وأن حوالي ربعه من التلاميذ سنهم دون العشرين سنة، وأن نسبة الأمية في المجتمع تبلغ العشرين في المائة ومسألة المقدرة الشرائية التي لم تعد تسمح باقتناء صحيفة كل يوم سعرها لا يقدر عليه المواطن العادي ومسألة الانشغالات اليومية للناس التي لم تعد تدفع نحو الاهتمام بالصحافة وقراءة الجرائد.
ما تم رصده هو وجود نية لتدمير الإعلام العمومي والتخلص من الصحافة الورقية العمومية والتفويت فيها وهي نظرة تتبناها كل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة التي وجدت نفسها تتحمل عبءا ثقيلا إسمه المؤسسات العمومية المفلسة وبعض قطاع الإعلام من ضمن المجال العمومي للدولة والسؤال هنا هل نحتاج إلى الابقاء على الإعلام العمومي إلى جانب الإعلام الخاص لتنويع المشهد وإضفاء تعددية اعلامية بين إعلام خاص وآخر عمومي بخطين تحريريين مختلفين ؟ وهل ما زلنا في حاجة الى إعلام متزن بعيدا على الفرقعات وخارج الأجندات السياسية والحزبية وبخط تحريري ينتصر للمعلومة ودقة الخبر و مصدره أم أن الأفضل أن نتخلص من كل القطاع وتحويله إلى مؤسسات خاصة غايتها الربح على شاكلة المؤسسات التجارية ؟ وهنا يأتي موضوع أزمة دار الصباح وإذاعة الزيتونة وإذاعة " شمس أف أم " ومؤسسة كاكتوس للإنتاج التابعة لقناة الحوار التونسي وهي كلها مؤسسات مصادرة الدولة تمتلك فيها نسبة من رأس مالها وتحتاج إلى رؤية وإستراتيجية حتى لا تندثر كما اندثرت مؤسسات إعلامية غيرها.
هذا التشخيص أخذ حيزا كبيرا من زمن هذه الندوة وهو تشخيص مهم كان من الضروري التذكير به رغم أن الكثير يعلمه لكن الأكثر إفادة من ذلك هو المقترحات العملية وعملية التفكير في الحلول لانقاد ما تبقى من الصحافة الورقية وضمان تواجدها في المستقبل وإيجاد رؤية معقولة لمعالجة ملف المؤسسات الاعلامية اليومية المصادرة وهنا تم التذكير بالإجراءات الأخيرة التي أعلن عنها إلياس الفخفاخ رئيس الحكومة وهي اجراءات جاءت مرافقة لما فرضته الجائحة الوبائية التي حلت بالبلاد والمتمثلة في جملة من القرارات للوقوف ماليا إلى جانب قطاع الاعلام الذي يعرف صعوبات مالية حيث تم تخصيص حوالي 500 مليون دينار للإشهار و قرابة مليار و 200 مليون دينار للاشتراكات في الصحافة لكن على أهمية هذه القرارات في هذا الظرف الصعب الذي تمر به البلاد وألقى بظلاله على قطاع الصحافة وزاد من تعميق أزمتها فإن الحلول العملية المقترحة ولتي تم ذكرها في هذه الندوة لإنقاذ الصحافة الورقية إن توفرت الإرادة السياسية الصادقة لعملية الإصلاح والإنقاذ تتمثل في تنظيم عملية الإشهار العمومي وتنظيم عميلة الاعلانات في الصحف وتنظيم عملية الاشتراكات في المؤسسات والإدارات العمومية و ضرورة تدخل الدولة لدعم الورق الذي يعرف سعره ارتفاعا متواصلا على المستوى العالمي وهي كلها إجراءات ضرورية قد يشملها مقترح مشروع القانون المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للتصرف في الإشهار العمومي والاشتراكات المعروف " بصندوق الإشهار العمومي " الموجود الآن فوق مكتب مجلس نواب الشعب وينتظر أن يرى النور وتتم مناقشته والمصادقة عليه قد يخفف من وقع الأزمة المالية التي يعيشها قطاع الإعلام الورقي في علاقة بالمحافظة على هذه المؤسسات الإعلامية و ديمومتها وضمان حد أدنى من الاطمئنان والراحة النفسية للصحفي والإعلامي حتى يعمل في ظروف تسمح له بتأدية وظيفته ولعب دوره المهم في ارساء مجتمع ديمقراطي واع ومدني ومثقف.
ما خرجنا به من هذه الندوة حول الصعوبات التي يعرفها الاعلام العمومي وأزمة الصحافة الورقية هو أننا في مفترق الطريق بين عالم جديد يفرض نفسه بقوة ويريد أن يهيمن وعالم قديم يقاوم ويصر على البقاء والوجود وأمام فرصة قد تمثل المنعرج في تاريخ الصحافة التونسية قد تعيد لها اشعاعها الذي فقدته وتعيدها إلى لعب دور السلطة الرابعة والقوة التي يحتاجها المجتمع لتحقيق الكرامة والحرية والديمقراطية والعيش الكريم فمن دون صحافة حرة لا يمكن يوجد مجتمع حر ومتقدم وهذا لا يكون حسب كل المتدخلين من دون ضمان حد أدنى من الموارد المالية التي تضمن استمرار عمل المؤسسة الإعلامية.
على أهمية كل ما قيل إلا أن هناك جملة من القضايا تحتاج أن نعود إليها ونقاط مختلفة أخرى تحتاج مزيدا من النقاش في علاقة بالرؤية التي قدمها حسن الزرقوني في مداخلته والتي تقوم على مقاربة ليبرالية رأسمالية لعملية الاصلاح المطلوبة وإنقاذ قطاع الإعلام عموما والصحافة الورقية خصوصا وهي مقاربة ترى أن السوق التونسية لا تتحمل كل هذا العدد من الصحف والقنوات الإعلامية وأن المنوال الاقتصادي المتبع لا يمكن أن يستوعب عددا كبيرا من الصحف وأن وضع البلاد يتطلب أن يقتصر المشهد الإعلامي على عدد معين من وسائل الإعلام لارتباطه بعدد المؤسسات التجارية القادرة على توفير الإشهارات التجارية وتوفير الدعم المالي من خلال الاعلانات والاشتراكات فالوضع الاقتصادي لا يتحمل توسعا كبيرا في وسائل الاعلام وإنما يفرض عملية حصر وتركيز في توفير الدعم المالي من قبل الداعمين بما يعني التخلي نهائيا عن فكرة دعم الدولة لقطاع الاعلام والذهاب نحو التعويل عن الذات و جلب أصحاب الرأس المال الخاص ودفعهم إلى إمتلاك وشراء وسائل الإعلام وهو توجه عالمي يتيح لهذه المؤسسات أن تضمن موارد مالية قارة ما يمكنها من الاستمرار وإخراجها من قبضة الدولة وإملاءاتها وهي رؤية يرى فيها البعض خطورة تحتاج الى نقاش وحوار .