محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: يسألونك عن الوطنية، قل هي خصلة وواجب، صارت ذنبا لا يُغتفر

29 جوان 2020  (17:02) صالون الصريح

كتب: محمد نجيب عبد الكافي

يسألونك عن الوطنية، قل هي خصلة وواجب، صارت ذنبا لا يُغتفر.
كنت، مساء يوم من أيام عام 1979 أدير، بصفتي رئيس نادي الصحافة العالمي، ندوة استضفنا لها زعيم أكبر وأقدم حزب في البلاد، وهو على أهبة استلام رئاسة الحكومة من نتائج انتخابات عامة، أعطته بعد شهرين تقريبا، عشرة ملايين صوت، أي أغلبية مطلقة مكنته من تغيير الكثير في البلاد بعد انعتاقها من النظام السلطوي. جلس الضيف على يساري، وعلى يميني صحفي بارز، عضو في مجلس إدارة النادي، هو السيد أنطونيو نوفايس، الذي كان ينشر مقالاته على جريدة لوموند الفرنسية، ومن هناك عرفته، الى أن حملتني الأقدار إلى هنا، فما أن سجلت اسمي بمصلحة المراسلين الأجانب واستلام بطاقة الاعتماد، حتى سألت عنه، فأوصلوني إليه. نعم ما فعلت وخير ما عرفت، لأنه أخذ بيدي وكان لي الدليل والمرافق والمفسّر، فدخلت، وعرفت، وتعرّفت على، وحصلت على أنباء وأصدقاء، لم يكن لأي مراسل أجنبي أن يصل إليها بتلك السرعة وفي تلك الظروف. اكتشفت من كلّ هذا وبعد التغيير، أن دليلي قام بأدوار مهمة، خدمة للمعارضة في الداخل والخارج، لذا كان محل تقدير كبير من طرف معظم السياسيين. اكتظت القاعة كما لم تكتظ من قبل، فقدمت الضيف، فأخذ الكلمة التي هو من فصحائها فأسهب وأفاد. جاء بعد "أطروحته" دور الأسئلة والأجوبة، فذُكر في أحدها اسمُ مناضل أيام السريّة، لم يكن معروفا لدينا، فقلت وهو يصفه ويذكر أعماله، تعني أنه وطنيّ حقّا. يا ليتني لم أفُه بالكلمة! فما أن طرقت سمعه حتى انتفض كمن تخبّطه الشيطان بالمسّ، فظننت أنه سيصفعني، وقال بصوت مرتفع " لالا! هو ليس وطنيا ". تماسكت وجُلت ببصري مسرعا عبر القاعة، فقابلتني ابتسامات على الشفاه أفهمتني، وشعرت بيد الزميل تضغط على ذراعي، هدّأتني، فابتسمت وقلت ظننت أني أحسن اللغة. اعتذر الخطيب وقال لغتك سليمة، وأنا الذي غفل عن ثقافتك. يعني أني ابن ثقافة تختلف عمّا لدى ابن البلد الذي هو على بيّنة بخصائص الموطن وشعبه. انتهت الندوة، وانتقلنا حيث نتناول المشروبات ونتبادل الآراء والتعليقات، فأفهمني الضيف والزميل أنطونيو أن العبارة أصبحت، منذ الحرب الأهلية، حكرا على الدكتاتور ومناصريه، لأنهم يعتبرون أن الوطني لا يكون إلا منهم أو ممّن هو مثلهم.
ذكرت هذه الحادثة لأني لاحظت منذ مدّة، اختلاط المفاهيم، واستغلال التعابير، واحتكار ما لا يُحتكر. فقبل الاسترسال فيما أنويه، ما هي الوطنية؟ وجدت لها تعريفات لا تحصى ولا تُعد. فحسب جورج برنارد شو، " الوطنية هي اعتقاد المرء أن بلده أسمى من كل الآخرين، لأنه مسقط رأسه." ويقول آخر" أنها إحساس مشترك بالانتماء إلى نفس البلد – الوطن – إحساس يقوّي فيه الوحدة على أساس قِيَم مشتركة. إحساس يؤدي إلى الشعور بالحب والافتخار نحو الوطن. إن الوطني على استعداد أن يضحي أو يكافح من أجل الوطن دفاعا عن مصالحه." أما برنارد كاراي فهو يعرّف الوطنية من وجهة غير عاطفية، بل اقتصادية فرأيه هو" أن الوطنية الاقتصادية تَصرُّف من المستهلكين والمنشآت والسلطات العمومية، التي، داخل إطار عولمة الاقتصاد، تحاول تفضيل الممتلكات والخدمات المنتجة في بلادها. تصرُّف هذا مقام على أساس مبدئ الدفاع عن النفس اقتصاديا. إحدى هذه الظواهر الحديثة، هي الحماية المالية (النقدية) في مواجهة متعددة الجنسيات الأجنبية، التي تريد اقتناء منشآت تعتبر استراتيجية لاقتصاد البلاد." ظهرت هذه العبارة عام 2003 في تقرير برلماني تحت عنوان" جوسسة اقتصادية، منافسة، تماسك اجتماعي" للنائب برنارد كاراي السالف الذكر. أختم هذه الأمثلة من التعريف بما قاله مجهولون، وهو" أن الوطنية تعلق الفرد عاطفيا بوطنه، وتعبيره إرادة الدفاع عنه، وترقيته." "حب الوطن هو رغبة، وإرادة التفاني، والتضحية دفاعا عنه." " إن الوطنية تعني إخلاص المرء لبلد يعتبره وطنه." حب الوطن، الإخلاص للوطن، الإيمان بالوطن، بقيمه وآرائه (مبادئه). تعلق عاطفي بالوطن يظهر برغبة الدفاع عنه، وخدمته، وتقدمه." أعتقد أن في هذا القدر، وهو كثير، كفاية للتدليل على ما أريد ملاحظته، وهو أنّ كلّ التعريفات، هذه وغيرها، تتحدّث عن الحب، العاطفة، الدفاع، التضحية، الرقي، التطور، وجميعها خدمةً للبلاد، للوطن، ومصالح الوطن، ولم ترِد المصلحة الشخصية في أي تعريف عرفتُه. هل أنا في حاجة إلى أكثر شرحا أم أكتفي بمقولة "والفاهم يفهم" وبالفصحى "إياك أعني فافهمي يا جارة؟" أما تعريفي الخاص فالوطنية لديَّ، وقد تكون لدى الكثيرين من أبناء جيلي وسابقه، هي مجموعة مبادئ وقِيَم وواجبات يعتنقها المرء ويتحلى بها ليعمل، بإرادة حرّة، وبتجرّد لتخليص موطنه مما يراه من شوائب ونواقص وانحرافات، والدفاع عن أمنه وسلامته إذا ما اعتدي عليهما، فهي إذن لصالح الجميع.
الملاحظ منذ عقود، هو أيّا كان شكل هذه الوطنية، فقد عمدت عوامل كثيرة، ظاهرة وباطنة، لإزاحتها والقضاء عليها، لغايات لا تخفى على لبيب. يمكن تحديد بداية هذا التيار مع بزوغ العولمة، مهّد له وشجع تخلص البلدان المُستعمَرة وحصولها على استقلالها، ثمّ زوال الحدود والرقابة على تنقل الثروات والأموال، فجاء ميلاد ما عُرف بمتعدّدة الجنسيات، اسم أشبه بعباءة تستر ما يمكن أن يُعاب فيها أو في تواجدها، أو يخالف قوانين أيّ بلد تتمركز فيه. أخذ الهجوم على الوطنية أشكالا وطرقا مختلفة، معظمها ليّن أو خفيّ، لَبِس أردية كثيرة الأشكال والمفاهيم، منها مثالا لا حصرا، حرية المعتقد، حرية التعبير، المساواة، حرية الضمير فحق رفض الذهاب إلى الحرب، وفي هذه الأمثلة ما يكفي لتبيّن الحقائق. إذا أضفنا لهذه الأمثلة والعوامل، توسع ظهور التكتلات أو الاتحادات الكبرى، قديمها كالبرازيل والولايات المتحدة وألمانيا، وحديثها كأوروبا مثلا، أصبح الانكماش والتقوقع في قطر أو بلد ما، عيب لا يغتفر، حتى أنّ بعض البلدان ألغت وجوب الخدمة العسكرية، لعلاقتها بالشعور الوطني " الضيّق ". الغريب في الأمر، هو بقدر ما يتوسع مفعول العولمة، وتكثر التكتلات أو الاتحادات وتكبر، بقدر ما تبرز، هنا وهناك، مناداة بالانطواء والتقوقع داخل إثنية أو حدود، والمطالبة أحيانا بالانفصال. يذكر المتتبع وغير المتتبع، ما أصبح قديما، مثل إيرلاندا واسكتلاندا ببريطانيا، أو بلاد الباسك بشقيه الفرنسي والإسباني، أو بريطانيا وكورسيكا بفرنسا، وها هي حاليا كتالونيا الإسبانية تنادي هي الأخرى بالمثل. ينكب الدارسون المختصون على تفسير كل هذه الظواهر، المتضاربة أغلبها، محاولين إيجاد مفاهيم وتفسيرات علمية روحانيا وماديا، مالَ معظمهم، فتبعهم السياسيون، إلى الأسباب الاقتصادية البحتة، فأهمل الجانب الروحاني أو العاطفي، وأنا أقول الإنساني البشري. لقد مال الإنسان قديما، وحديثا، إلى ملء فراغ روحه ونفسه بعبادة ما. عبد الشمس والنار والأوثان، فأرسل الأنبياء والرسل، لعبادة الواحد القهار، فآمن من فتح الله قلبه، وكفر غيره، لكنه بقي باحثا عما يملأ فراغ نفسه، فتعلق بما يعقل وما لا يعقل وسيبقى تائها باحثا حتى يجد السبيل السوي.
أشبه شيء بهذا هي الوطنية، التي لها هي الأخرى، فراغها الذي لابد من ملئه. يولد المرء ومعه غرائز عديدة، يعرفها الجميع، منها الذكاء، والفطنة، والكرم والبخل، والأنانية، وحب مسقط الرّأس والتعلق به، وبمن وما فيه وعليه. تنمو هذه الغرائز وتكبر مع نمو صاحبها، خاصة غريزة حب التربة ومرتع الصبا، ويتسع مفهومها، ومجالها، وشمولها، ويقوى مفعولها بمؤثرات كثيرة، كالدين، والتربية والتعليم، وكل مؤثرات الحياة اليومية، فتُهذَّب وتُكيّف وتُوجَّه تلك الغريزة وبقية الغرائز، فيشعر المرء ويفهم أنه لبنة من لبنات صرح كبير، وحلقة من حلقات سلسلة طويلة، جامعة رابطة، زمنيّا تاريخيّا، وبشريّا دمويّا، وماديّا اقتصاديّا، فيتجلّى وجوب المشاركة، الذي يتخذ لونا من ألوان الواجب، وضرورة العمل مع الجميع، لفائدة الفرد والجميع، لأن الترابطات، والتشابكات، والمشاركات، والمنافسات، والمغريات، والتحايلات، والاعتداءات، وكلّ ما هو حياة، يفرض عدم العزلة والانفراد، ويوجب العمل للفوز بالرفاه والإسعاد. إسعاد الجميع، وهو الأفضل وأضمن. لكن، مع غريزة الوطنية هذه، تولد أخرى، كما سبق القول، هي الأنانية، حبّ الذات، حبّ احتكار الخير والحسن، فتسيطر على الأولى، في نفس وتصرّف صاحبها، إن هي شعرت بقوّتها ومناعتها، فتسخّر الوطنية وتكرّسها له وحده، لحاملها ومصالحه وفوائده الشخصيّة فقط، لا للجميع، لا لكل الوطن.
هذا مع الأسف ما أصبح سائدا، ولنا في تونس منه المثال الأمثل، والنوع الأشهر. وطنية؟ أي نعم! لكن بشرط أن تعود فوائدها عليّ وحدي أو عليَّ وعلى من أريده.
هذا ما أصبحت عليه الوطنية وخدمة الوطن والشعب، فلينتبه الناخبون لهذا وليتصرفوا بما تمليه ضمائرهم.
مدريد في 30-5-2020.