في الجزء الثاني من شهادته عبد الحميد الجلاصي يتحدث عن: مستقبل النهضة، المسألة الدينية، الغنوشي وأسباب الاستقالة

06 جويلية 2020  (13:05) صالون الصريح

تغطية: نوفل سلامة
واصل القيادي عبد الحميد الجلاصي القيادي المستقيل من حركة النهضة في ندوة يوم السبت 4 جويلية الجاري تقديم الجزء الثاني من شهادته في مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات التي خصصها للحديث عن المشهد السياسي بعد 17 ديسمبر 2010 و 14 جانفي 2011 بعد سقوط نظام بن علي ووضع حركة النهضة بعد الثورة والدور الذي لعبته في نجاح المسار الديمقراطي الذي اختارته البلاد وهو لقاء مختلف في مضمونه عن اللقاء الأول الذي خصصه لتناول أحداث ما قبل الثورة هو ومختلف من حيث نوعية القضايا التي خاض فيها المحاضر وأهميتها في فهم ما حدث بعد رحيل بن علي وكل الرهانات لتأسيس مشهد سياسي كان الجميع يأمل أن يكون مختلفا وأفضل من المنظومة القديمة وهو كذلك مختلف من حيث نوعية الأسماء الحاضرة في هذه الندوة والتي كانت مساهماتها نوعية في إثراء النقاش وتوضيح الكثير من المسائل التي طرحها عبد الحميد الجلاصي حيث واكب اللقاء كل من السيد مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات والأستاذ المفكر حميدة النيفر أحد المؤسسين التاريخيين لتيار اليسار الإسلامي والقيادي زبير الشهودي العضو في شورى حركة النهضة والأستاذ المحامي طاهر بوسمة والإعلامي كمال بن يونس وثلة من الناشطين السياسيين والمتابعين لنشاط المؤسسة .
في مفتتح هذه اللقاء أعاد الأستاذ عبد الحميد الجلاصي ما كان قاله في لقائه الأول من أنه بهذه الشهادة لا يقدم كل التاريخ و لا يدعي إمتلاكه للحقيقة التاريخية وإنما الحقيقة حسب قوله توجد عند الجميع وهذا يستدعي أن تكون الكتابة التاريخية التي تؤرخ للأحزاب جهدا جماعيا وذكر بمسألة مهمة وهي أنه يقدم وجهة نظره لمسار حركة النهضة كما عاشه ويقدم سرديته لمسيرة داخل تنظيمها دامت لقرابة 40 سنة لذلك فإن مقصده من كل ما يذكره في هذه الشهادة ليس محاكمة الحركة وأفرادها بعد أن مكنته الاستقالة من التحرر من قيد الانضباط الحزبي والاصطفاف وراء الجماعة وإنما الغاية من هذه الشهادة هو الذهاب نحو المستقبل بعد استخلاص الدروس والاستفادة من التجربة من منطلق أن المهم في حياة الجماعات والأحزاب هو القدرة على تحويل أوسع تجربة ممكنة إلى وعي مثمر فالمهم في التاريخ ليس الأحداث التي حصلت وإنما المفيد هي الخلاصات والاستنتاجات التي ندركها والتي تجعلنا نستفيد منها لبناء المستقبل والذهاب نحو الأمام .
يقول عبد الحميد الجلاصي إن الملاحظة العامة التي كانت بارزة في كل الأحزاب قبل الثورة وكشفتها مرحلة ترتيب المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي بعد رحيل بن علي ومنظومته هي أن كل الأحزاب التي كانت قي خط المعارضة وفي صف المقاومة لحكم بن علي لا تمتلك حلولا اجتماعية للبلاد ولا برنامجا للحكم ذلك أن السياق الذي كان يحكم الجميع ويؤطر تحركاتهم كان سياق الإجابة على سؤال كيف نفتك الحق في المشاركة السياسية ؟ وكيف نضمن قدرا من الحريات يسمح بالبقاء والتواجد ؟ وحتى التيارات الماركسية فقد كانت هي الأخرى تتحدث عن المسألة الاقتصادية والاجتماعية من منطلق ومنظور المقولات الكبرى للنظرية الماركسية من دون امتلاك المعطيات ومن دون توفر الأفق الذي يسمح بالمشاركة في الشأن العام . لقد كان التحدي القائم هو من أجل افتكاك حرية الفكر والتعبير وشروط انجازها فالمطلب والرهانات كانت تركز في المقام الاول على تحقيق الحريات لذلك مثلت الثورة صدمة للجميع بما في ذلك حركة النهضة التي لم تكن مهيأة للسؤال الاقتصادي ولا تملك جوابا مفصلا ودقيقا للمسألة الاجتماعية .. لقد اكتشفنا بعد الثورة أن الحياة السياسية كان ينقصها الأفكار.
الملاحظة الثانية وتشترك فيها كل الأحزاب هي أنه لا أحد كان يتوقع رحيل بن علي وانهيار منظومة حكمه بكل تلك السرعة ونحن في النهضة كانت لدينا قناعة بأن النظام قد وصل إلى مداه وهو يختنق ولكنه يقاوم وأن الحراك الاجتماعي الذي بدأ سنوات قليلة قبل الثورة سوف يستمر ويتواصل ولكن السياقات الدولية والإقليمية كانت تراهن على بقاء منظومة حكم بن علي بعد شرائه للسلم الاجتماعي وإدخاله تعديلات وجرعات على سياسته لاحتواء الأزمة التي يمر بها خاصة وأن السياق العربي كان يعرف رفضا شعبيا كبيرا تجاه خيارات الأنظمة العربية في كل من اليمن وليبيا ومصر وسوريا وتونس بعد أن قررت إما التمديد في الحكم أو توريثه فكان النقاش يدور داخل النهضة وفي كل الأحزاب حول الطريقة التي يمكن أن نتعامل بها مع هذه السياسة ؟ لكن قيام الثورة وضع الجميع أمام واقع جديد لا أحد كان مهيأ له غيرأن ما ميز النهضة وقتها هو أن المزاج العام للنهضويين كان مهيأ للمشاركة والانخراط في أي حراك اجتماعي وأي حراك لكسر حاجز الخوف من النظام بالرغم من أنه لا أحد كان يقدر حجم ارتدادات حرق البوعزيزي صاحب عربة الخضار نفسه على تغيير النظام .. في هذه المرحلة وفي الأيام الأولى من الثورة كانت هناك في منطقة " النقرة " مجموعة من القيادات النهضوية مهمتها توجيه المجموعة التي كانت في الشارع عبر الهاتف والسكايب لمعرفة سير الاوضاع.
تحدث الجلاصي عن الأخطاء التي ارتكبت وكانت مؤثرة فيما اتخذته الثورة من مسار صعب لتحقيق أهدافها منها الخطأ الكبير الذي ارتكبه محمد نجيب الشابي حينما اعتبر بعد رحيل بن علي أن منظومة الحكم تحتاج فقط إلى قيادة جديدة وتعديل بسيط في الدستور والاكتفاء ببعض الاصلاحات واختار المشاركة في حكومة الغنوشي الأولى غير أن احتجاجات القصبة 1 و 2 كان لأصحابها رأي آخر.
من المعوقات الأخرى أن حركة النهضة رغم جاهزية قاعدتها لكل تحرك جماهيري إلا أن تنظيمها لم يكن بمقدوره تجاوز معاناة فترة الاضطهاد والحصار النفسي بكل سرعة وعدم القدرة على التخلي عن النظر إلى الدولة بتوجس وخوف .. ما وقفنا عليه في الأيام الأولى من الثورة أن الأعطاب النفسية والاجتماعية كانت كبيرة ولكن وضع البلاد كان لا ينتظر ولا يحتاج إلى مثل هذه الحالة النفسية لذلك كانت الأسابيع التسع الأولى صعبة للغاية لتحويل التنظيم إلى آلة انتخابية في مناخ منفتح ومتيح للعمل السياسي وكان السؤال حينها هل نشارك في الحكم لأننا مهيئين له ؟ أم أن وضع البلاد لا يسمح بالتخلف وتأجيل المشاركة رغم قلة الخبرة في العمل الاداري وقلة الدراية بمعالجة المشاكل وفي مناخ كان فيه سقف انتظارات التونسيين عال جدا خاصة وأن القوى التي كانت مؤهلة وقتها للحكم هي الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة والمنظومة القديمة التي ظلت تقاوم وتوظف مناطق الفراغ الموجودة وتستغلها لصالحها فكان القرار أن نشارك في الحكم وأن نتقدم نحو السلطة لقطع الطريق أمام إمكانية عودة المنظومة القديمة بعد أن اتضح أن بقاءها أخطر من رحيل رأس النظام بل لعلها هي أصل النظام فكانت المجازفة السياسية ومغامرة الحكم بالرغم من أن توصيات الهيأة التأسيسية في الحركة قد أوصت بعدم المشاركة .
من الأخطاء الأخرى أن عروضنا لأصدقائنا في المعارضة بعد الفوز في انتخابات 2011 لم تكن مقنعة بالقدر الكافي لتوسيع المشاركة وهذا ما يفسر حكم الترويكا بتلك التركيبة الثلاثية التي كان فيها حزب التكتل هو العنصر الأساسي لكونه من الأحزاب اليسارية الديمقراطية الاجتماعية التي تحلت بشجاعة كبيرة للخروج من العائلة اليسارية وقرر الالتقاء السياسي بعيدا عن قاعدة الفرز الهووي.. في هذه المرحلة لم نقدر أن نطمئن شركاءنا في الحكم رغم التنسيق الموجود بيننا .
من أخطاء المرحلة الأخرى أن النهضة لم تحسن إدارة ملف الجماعة السلفية ولم تكن حاسمة بالقدر الكافي مع التمايز عن الإبن المغالي .. لم تكن النهضة مدركة لحجم المخاطر التي يمثلها انصار الشريعة وراهنت على جلبهم إلى حظيرة العمل العلني والمشاركة الديمقراطية وإدخالهم اللعبة الديمقراطية وتذويبهم بطريقة سلسلة حتى ينخرطوا في العمل السياسي المدني في محاولة لتفادي المقاربة الأمنية التي اتبعها بن علي مع الجماعات الدينية .
تحدث عن موقفه من ثورات الربيع العربي وقال كلاما كان محل انتقاد أثناء النقاش حيث اعتبر أن هذه الثورات لم يكن متاحا لها ولا بمقدورها أن تحقق أكثر مما حققته ووصلت إليه وما تحقق لها هو منتهاها لقد جاءت في الوقت الخطأ والتوقيت والمرحلة الخطأ فكل التجارب التي مرت بمرحلة انتقال ديمقراطي في العالم كان يتوفر لها حاضنة مالية وجهة سياسية معنوية داعمة وفي منطقتنا العربية لم نجد من احتضن ثورات الشعوب على حكامها ولا من ساندها بل وجدنا بعد 2012 ردود فعل عنيفة تجاه ما حصل من انهيارات لأنظمة حكم كانت تفكر في المواصلة وتوريث السلطة فكانت الردة في اليمن وسوريا ومصر وليبيا حتى وصلنا إلي صائفة 2013 الفترة المنعرج التي رأينا فيها سياقا جديدا للأحداث بظهور موجهة تقودها المنظومة القديمة لاستعادة ما خسرته من مواقع واسترجاع الأماكن التي افتكت منها .. وقد كان التقييم بعد كل هذا المشوار من الصراع من أجل تثبيت قيم الثورة وإنجاح مسارها أن ما تحقق من الزاوية السياسية كان مقبولا في علاقة بسقف الطموحات التي كانت تحلم بها الشعوب وما أفرزته صناديق الاقتراع ورغبات السياسيين كل ذلك في وضع ديمقراطي غير مكتمل وتتربص به قوى الردة والجذب إلى الوراء ورغم هذه النتيجة التي لم ترض الجماهير فإن ما تم ملاحظته هو أن المنظومة القديمة كانت في هذه المرحلة ذكية حيث دفعت بالثورة في زمن وجيز من قيامها إلى أقصاها ومنتهاها حتى ترتكب الأخطاء من أجل استعادة زمام الأمور والعودة إلى التحكم في الأوضاع وفق شروطها فهل حقا أن التاريخ علم لا نفع منه فهو وإن كان يمنحنا متعة الاطلاع فانه لا يحمينا من الوقوع في نفس أخطاء الفاعلين فيه ؟
تحدث الجلاصي عن ممارسة النهضة للحكم بعد الثورة وتجربتها السياسية في إدارة الشأن العام وقال بأن الخطأ الكبير الذي وقعنا فيه يكمن في طبيعة مثل هذه الحركات القادمة إلى عالم السلطة وهي مثقلة بعقود من جراح الاستبداد ويأسرها الهاجس الأمني فمثل هذه الحركات المناضلة والمقاومة هي في الحقيقة ليست حركات سياسية معارضة تمتلك برنامجا سياسيا تعارض به ويتوفر لها هامش من الحريات للتحرك كفاعل سياسي يطمح للتغيير والحكم وإنما هي حركات مقاومة في بنتيها وثقافتها تحتكم إلى فكر الجماعة وبمفهوم نشاط الجماعة في زمن الاستبداد وهي حالة لا يستثنى منها أحد و حتى الحركات اليسارية كانت تتصرف من منطلق فكر الجماعة المحكومة بالطابع الوجودي في كل شيء ، في القراءات والعلاقات والنظرة للعالم غير أن التحول الذي حصل لحركات المقاومة من الانتقال من فكر الجماعة إلى الممارسة السياسية الحقيقية لا يمكن أن يكون تحولا من دون توترات وهزات ولا صعوبات مؤثرة فما وقفنا عليه هو صعوبة التنقل من ثقافة الجماعة إلى ثقافة الحزب السياسي الذي يتطلب ثقافة جديدة وهي مسألة لم يقع الاشتغال عليها بالقدر الكافي .. في هذا الخصوص حصلت نقاشات معمقة حول موضوع الاصلاح و تطبيق الديمقراطية الداخلية و كيف ندير الموارد البشرية بطريقة تخدم البلاد ؟ وكيف نقيم المنجز الوطني ؟ وكيف نحكم بعقلية مختلفة عن إدارة شأن الجماعة؟ كيف يمكن أن نمارس الحكم ونحن مكبلين بهاجس الخوف وهاجس المسألة الأمنية ؟ وقد زاد ما حصل في مصر من انقلاب على حكم الإخوان من إرباك المشهد وعطل التحرر من الخوف وزاد التردد من الخروج من ثوب ثقافة الجماعة نحو أفق جديد أفق الممارسة السياسية بعقلية الحزب السياسي.
تحدث عن رهان التطبيع مع الوضع العام و التطبيع مع الدولة والدخول في منظومة الحكم وخطورة الاندماج في" السيستام " على صورة الحركة ونظرة الناس إليها فقدرنا أن ممارسة الحكم ضرورية ولكن بشرط أن تكون هناك إصلاحات حتى لا يطحننا السيستام كما طحن أحزابا أخرى وتحصل التهرئة التي يتحدث عنها الجميع ونتحول إلى منظومة معطلة.
تحدث عن مستقبل حركة النهضة بعد كل المخاض الذي عاشته البلاد بكل الاخفاقات والارتدادات والخيبات والطموحات والآمال وكل الحلم الذي راود الجميع من أجل بناء تونس أفضل من دون منظومة الاستبداد وفي هذا السياق ذكر أن المشهد السياسي عرف بعد الثورة ثلاثة أنواع من الأحزاب : أحزاب جديدة برزت مثل حزب أفاق تونس الذي كان من الممكن أن يكون مفيدا للبلاد لكنه فشل لكونه اقتحم مناطق لم يكن يعلم خطورتها وانخرط في معارك لم يحسن إدارتها . والنوع الثاني هي مجموعة أحزاب الوسط التي وجدت نفسها ضحية سقوطها في معارك الاستقطاب والتوظيف السياسي. والنوع الثالث وهي الأحزاب الشمولية العقائدية التي يمثلها أساسا القوميون الشيوعيون والإسلاميون و هذه العائلات كان من الممكن أن تستفيد من تجربة 18 أكتوبر 2005 لبناء علاقات جديدة وقيادة المرحلة بعقلية التعاون بعد أن حسمت النقاشات التي جمعتهم كل الخلافات الفكرية ووضعت أرضية التقاء مهمة لكن ما حصل هو أننا عدنا من جديد إلى ثقافة الصراع المدمر والإقصاء .. اليسار الماركسي كلن كسولا ولم يقم بمراجعات تتطلبها المرحلة على عكس الإسلاميين الذين كانت مراجعاتهم عملية سلخ وجلد للذات .. هذه العائلات السياسية الكبرى عائقها أنها لم تخرج من ثقافة الاحتجاج والمقاومة ولم تقطع مع فكر الجماعة المحكوم بثقافة التوجس من الحكم .
وأنهى الأستاذ عبد الحميد الجلاصي شهادته التي أتينا على أهم القضايا التي تضمنتها مع الإقرار بوجود مسائل أخرى تجاوزناها للحديث عن جملة من الرهانات التي من دونها يبقى البناء السياسي هشا ومهددا في كل وقت بالفشل والانتكاسة من هذه الرهانات تأكيد الجلاصي على ضرورة تطبيق الديمقراطية داخل الأحزاب والمنظمات وضرورة عدم تبرير تأجيل الممارسة الديمقراطية الداخلية للأحزاب تحت أي مسوغ من المسوغات وفي هذا الخصوص عرج على حدثين بارزين يخشى من وقوعهما حصول انتكاسة في المشهد السياسي : الحدث الأول المؤتمر القادم للاتحاد العام التونسي للشغل الذي تروج أخبار من داخله عن نية لتغيير القانون الداخلي بغاية تمكين القيادة الحالية التي انتهت عهدتها من البقاء والترشح من جديد لعهدة أخرى والحال أن القانون الداخلي للاتحاد يمنع ذلك ونتيجته إيقاف عملية التداول على تسيير الاتحاد والحدث الثاني هو المؤتمر الحادي عشر لحركة النهضة الذي ترافقه هو الآخر تخوفات من الالتفاف على الديمقراطية بداخله في علاقة بما يروج من عزم على تغيير القانون الأساسي للحركة بما يسمح للأستاذ راشد الغنوشي من الترشح لعهدة ثالثة بعد أن استوفى حقه في قيادة الحركة وهي خطوة لو حصلت سوف يكون لها الأثر السيئ خارج الحركة وتلقي بضلالها على كامل المشهد السياسي في عملية استرجاع للتاريخ وما حصل للحزب الاشتراكي الدستوري بعد قرار الرئيس الحبيب بورقيبة تغيير دستور 1959 بما يسمح له من البقاء في الحكم مدى الحياة وبالتالي وأد العملية الديمقراطية التي كانت على وشك الحصول لو التزم الرئيس بورقيبة بقواعد اللعبة الديمقراطية وفسح المجال للتداول على الحكم وفي هذا الصدد طالب الجلاصي بإنشاء مرصد لرعاية الديمقراطية في الأحزاب والمنظمات لقطع الطريق أمام توغل العقلية التي تحكم حركة النهضة واتحاد الشغل اليوم وكل الاحزاب المماثلة وهي عقلية انقلابية لا تسمح بممارسة حياة ديمقراطية عادية في كنف احترام القانون الديمقراطي .. طالب بضرورة الإسراع لتغيير قانون الأحزاب ومراجعة المضمون الانتخابي بما يجعل علاقة الدولة بالأحزاب تقوم على قاعدة الهيئات التي تحقق الصالح العام .. طالب بمزيد رقابة التمويل الحزبي لما له من تأثير على توازنات الأطراف وعلى الحياة السياسية وتكافؤ الفرص.
طالب بضرورة تحييد المجال الديني عن كل تجاذب حزبي فالدين قد أصبح اليوم مجال اهتمام الجميع المؤمن وغير المؤمن على حد السواء فالدين عند المؤمن به عقيدة وإيمان وممارسة فعلية وعند غير المؤمن ثقافة وطنية لا يمكن المساس بها وعلى هذا الأساس فإن المطلوب أن يكون الانتماء لحزب سياسي ذو مرجعية إسلامية ليس على أساس الايمان وإنما على أساس المضامين الوطنية التي تنفع الناس فالانتماء الحزبي لا علاقة له بالانتماء الديني والسؤال المطروح هو كيف يمكن ان نتعامل مع الدين من دون التخلص منه ؟ ما يقدمه الجلاصي هو نظرة مختلفة لتمكين الدين من فضاء أرحب للتحرك من دون حصره في مجال حزبي ضيق.
رافق هذه الندوة تفاعل مهم ونقاشات ثرية نوجزها في تدخلات أربع :
التدخل الأولى جاء على لسان زبير الشهودي أحد أعضاء مجلس الشورى بحركة النهضة الذي ذكر بخصال عبد الحميد الجلاصي وهو منهدس التنظيم في حركة النهضة وهو الذاكرة الحركية للحزب ولعب دورا بارزا في بقاء الحركة متماسكة في أحرج فتراتها لذلك فإن قيمته ثابتة رغم استقالته التي قام بها والتي تأتي في مسار صحيح كان غايته منها نقل كل الخلاف الداخلي في شتى القضايا إلى الخارج ومن خلاف تنظيمي إلى خلاف فكري وثقافي .. ما قام به الجلاصي ليس هينا وإنما هو مؤثر حيث ليس من السهل على الفرد أن يضحي بموقعه في النهضة من أجل خيار كبير هو في نظره أهم من الانتماء الحزبي .. ليس من السهل أن يخسر الجلاصي تاريخا كبيرا في حركة مثل النهضة من أجل تكريس الديمقراطية الحزبية ومن أجل النضال من خارجها لتثبيت الديمقراطية بداخلها . ويضيف القول : بأن استقالة الجلاصي مهمة في مسار حركة اصلاحية بدأت داخل النهضة جزء منها يناضل من الداخل والجزء الآخر من خارجها وعبد الحميد الجلاصي يمثل الجناح الثاني .. لقد ضحى بمستقبله السياسي من أجل نهضة ديمقراطية .
المداخلة الثانية كانت للناشط السياسي السيد كمال نابي الذي تساءل عن السبب الذي جعل النخبة الثورية بعد رحيل بن علي تعجز عن إنشاء كتلة تاريخية تقود استحقاقات الثورة وتكون رافعة لها وتكون أحد عوامل نجاحها .. وتحدث عن الخطأ القاتل الذي وقعت فيه الثورة التونسية وهو أنها لم تعرف كيف تدير معركة القديم ؟ ففي تاريخ الثورات فإن المعركة تكون معلومة وهي معركة من أجل الحسم في القديم ومعركة بين بقاء القديم والجديد وكيف نتخطى القديم نحو أفق جديد ؟ والحسم في هذه المعركة بين الرؤية الاستبعادية والتغيير الجذري وبين الرؤية الإصلاحية التي تكتفي بترميم السابق وإيجاد صيغة تعايش مع القديم وفق شروط جديدة غالبا ما لا تتوفر. ما وقعت فيه الثورة التونسية هو بقاءها أسيرة عقدة الانتقال الذي لم يحسم فيه بكل وضوح وفي التردد في التعامل مع المنظومة القديمة ما سمح لهذه الأخيرة أن تعود بقوة ويكون لها اليوم صور وتمظهرات واضحة وجلية ومن دون خجل بعد أن رفضت الاعتراف والاعتذار والمصالحة .. تحدث عن المظلة الدولية الغائبة في ثورات الربيع العربي وما قاله الجلاصي عن حالة اليتم الذي تعيشه ثورات الربيع العربي حينما وجدت نفسها من دون دعم ولا سند خارجي حيث اعتبر أن ما حصل هو أن المنظومة الدولية كانت مانعة للثورة وفي الغالب لم تكن متحمسة لها وهنا يطرح السؤال حول هذا الغياب هل هو نقيصة للثورة التونسية أم مكسب لها ؟
المداخلة الثالثة للسيد مصطفى بن جعفر الذي أكد على أنه لا يمكن لنا أن نتقدم من دون الحسم في موضوع الديمقراطية وما لم ننه الخلاف حول التمشي الديمقراطي ومضمونه ومن دون أن نحسم الخلاف حول مسألة القبول بالآخر المختلف عنا والقبول بالتعايش المشترك مع الاختلاف ومن دون تكريس مجتمع المواطنة الذي لا يقصي أحدا ولا يرفض ويلغي المختلف وهي رهانات النضال من أجلها دام قرابة السبعين سنة ومع كل أسف فإن موضوع القبول بالآخر هو اليوم غير متوفر من أجل ذلك فإننا نحتاج إلى مصالحة وطنية تنهي هذا المأزق.
في مسألة تحييد الدين عن العمل الحزبي ذكر مصطفى بن جعفر أنه منذ حوالي سبعين سنة كان هناك أشخاص يطالبون بأن لا يكون الدين في تونس موضوع خلاف يقسم الشعب وأن مجتمع المواطنة يجعل الانتماء فيه لا يكون على أساس الدين وإنما للوطن والأمة التونسية وإلى وقت قريب بعد الاستقلال لم يكن هذا الموضوع مطروح عندنا وقد دخل إلى فضائنا بعد أن ظهر في الشرق وأصبحنا بفضله نطرح موضوع الانتماء للدين وقضية الفرز على أساس الايمان وأصبحنا نتحدث عن التونسة وقد كان الأصل أن يكون الخلاف بين الأحزاب حول البرامج الاقتصادية وحول منوال التنمية وحول الحلول الاجتماعية والمشروع الحضاري للبلاد.
المسألة الأخيرة التي تعرض لها مصطفى بن جعفر والتي لم تأت في حديث الجلاصي هي أحداث صائفة 2013 المؤثرة والتي كانت علامة فارقة في تاريخ الثورة التونسية وهي أحداث يعتبرها النهضويون انقلابا على الشرعية وخنجرا غرس في ظهر النهضة حينما قررت إيقاف أشغال المجلس التأسيسي وتعليق أعماله من أجل إيقاف التوتر السياسي الذي كان على وشك أن يعصف بكل شيء والذي أدى إلى ايقاف الاحتقان والذهاب نحو الحوار الوطني وما رافقه من تفاوض على مواصلة الانتقال الديمقراطي وهي مرحلة تاريخية مهمة تحتاج من المؤرخين أن يقيموها ويؤرخوا لها من زاوية أن ما حصل قد جنب البلاد حربا أهلية وإراقة الدماء والتصادم العنيف خاصة وأن جزءا من داخل حركة النهضة ينظر الى ما حصل على أنه منعرج خطير جعل الاسلاميين يخسرون الحكم من أجل كل ذلك نحتاج إلى تقييم التجربة .
وفي موضوع استقالة عبد الجلاصي من النهضة قال بن جعفر إنه قرار عسير ولكنه يدخل ضمن التقاليد الديمقراطية وهو ينم عن نقلة في علاقة الأفراد بأحزابهم وهي علامة صحة تفيد بأن الأحزاب لم يعد الانتماء إليها وفق قاعدة والولاء المطلق والسمع و الطاعة وإنما المناخ السياسي الجديد سمح بهامش من بروز الفرد وبروز الاستقلال الفكري.
المداخلة الرابعة والأخيرة كانت كلمة الأستاذ المفكر حميدة النيفر الذي تعرض إلى إشكالية الانتماء إلى حركة دينية وأزمة الخروج منها ومعضلة الدخول والخروج من حزب عقائدي في العالم العربي والإسلامي وهي مسألة تتجاوز الفرد إلى العلاقات القريبة والبعيدة والعائلة والمسألة الوجودية باعتبار أن الانتماء لحزب عقائدي هو انتماء وجودي في البدء وإذا زدنا إلى هذا الانتماء لحزب ديني غايته وهدفه الوصول إلى السلطة عندها نفهم خطورة قرار الخروج من حزب يطمح في الحكم لذلك أقدر أن قرار الاستقالة من حزب ديني ويمارس السياسة وموجود في السلطة هو قرار يتجاوز الفرد إلى الجماعة ويتحول إلى مشكلة معقدة لها أبعاد وجودية وغالبا ما تؤثر على نفسية صاحبها .
وبخصوص موقفه من الأستاذ راشد الغنوشي في علاقة بكل الحديث الذي يدور عن نية الحركة تغيير القانون الأساسي في اتجاه السماح له بالترشح لعهدة ثالثة لقيادة النهضة قال حميدة النيفر أنه عرف راشد الغنوشي في الستينات من القرن الماضي في سوريا وهو في نظري شخص غير عادي ولكن التاريخ يصنع الأفراد ويصنع الزعامات والجماعات ولكن التاريخ يحتكم إلى اعتبارات اجتماعية و موضوعية فهل يدرك راشد الغنوشي هذه الحركية للتاريخ .. اليوم نعيش في فصلا تاريخيا جديدا يحتاج إلى عقل تركيبي لفهمه.