نوفل سلامة يكتب لكم: كيف نفهم شبهة تضارب المصالح لرئيس الحكومة في سياق الحرب على الفساد؟

13 جويلية 2020  (10:52) صالون الصريح


كتب: نوفل سلامة
الحراك الاجتماعي الذي يقود احتجاجات الشعوب في كل المجتمعات عبر العالم هو اليوم حراك قوي وينشط خارج أطر الاحتجاج التقليدية من أحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني ونقابات عمالية وهو حراك يأتي في سياق عالمي لإصلاح المجتمعات من كل مظاهر الخلل التي تفسد الحياة العامة وفي سياق ما يعرف بثورة الشعوب واحتجاجاها على حكامها والمطالبة بتنحيهم عن الحكم بعد أن اتضح أن سياستهم هي سبب كل مشاكل الشعوب وهو حراك يأتي فيما اصطلح على تسميته بمجتمع المقاومة وفي سياق مقاومة المجتمعات والدفاع عن نفسها تجاه كل مظاهر الفساد السياسي والمالي والاقتصادي الذي ينخر الدولة ويبدد مقوماتها ويمنع من بناء مجتمعات بأكبر قدر من العدالة الاجتماعية وبمنسوب عال من توزيع الخيرات والثروات الوطنية بطريقة عادلة تجعل الجميع يستفيدون منها بالتساوي والإنصاف.
فمعركة الشعوب اليوم من خلال هذه الحركات الاجتماعية التي بدأت موجتها تتصاعد وتكثر في الزمن والمجال الجغرافي هي معركة عنوانها واضح من أجل محاربة الفساد بكل مظاهره بعد أن بات واضحا أن الذي يمنع بناء مجتمع متوازن وعادل وتقل فيه مظاهر الإعاقة التي تزيد من الهوة بين الفئات الاجتماعية وتكرس الطبقية البغيضة وتعمق الفقر والتهميش والخصاصة الاجتماعية وتجعل الفرد يشعر بالاغتراب والاستضعاف في وطنه فالخط العام واضح اليوم والبوصلة ثابتة في اتجاهها أساسها أنه لا مجال للتعايش مع الفساد ولا مجال أن نتهاون مع مظاهره وصوره فالمعركة اليوم هي معركة نفاذ صبر الشعوب على المنظومات والسياسات التي تشرع للفساد وتحميه وتحضنه وتسهل تواجده فالشعار البارز في كل الحركات الاجتماعية الاحتجاجية هو مطالبة من يحكم بالرحيل والتنحي عن السلطة بعد أن منحه الشعب فرصة لإرساء منظومة حكم عادلة وبأقل منسوب من الفساد وآخر هذه الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بمحاربة الفساد الحراك الاجتماعي في دولة مالي الذي بدأ منذ أيام ويطالب برحيل الرئيس " إبراهيم أبو بكر كيتا " فالماليون خرجوا اليوم إلى الشوارع فيما عرف بحركة " الخامس من يونيو " من أجل استشراء الفساد ومن أجل هدف واضح وهو فشل الرئيس كايتا وسياساته في الحد من هذه الظاهرة فالماليون اليوم كباقي الشعوب تحركت من أجل أن لا تتواصل منظومة الفساد التي يحملون المسؤولية في بقائها ومواصلة تأثيرها إلى من يحكم.
والسؤال المطروح اليوم إذا كان الفساد منظومة قديمة تديرها لوبيات نافذة لها ارتباطات وعلاقات متينة مع دوائر الحكم وسلطة القرار بما يعني أن الفساد اليوم له سلطة تحميه وهو في حقيقته ثمرة من ثمار فساد التجربة السياسية لمنظومة حكم ما .. وإذا كان الفساد شبكة علاقات مالية واقتصادية وإعلامية وتجارية مترابطة فيما بينها وهي متعاونة ويستفيد بعضها من بعض ويخدم بعضها بعضا و لا تقبل بأن تخسر مواقعها ومكتسباتها تحت أي مبرر من المبررات أو مسوغ من المسوغات لذلك نراها تقاوم بشراسة كل منظومة حكم جاءت بعد ثورة على السياسات الفاسدة وكل تجربة حكم ديمقراطية تعمل على بناء مجتمع جديد بأقل منسوب من الفساد وتحارب الفاعلين فيه وتحاصر محركاته وروابطه .. وإذا كانت مرحلة الانتقال الديمقراطي التي عادة ما تلي قيام الثورة على منظومة الفساد وعلى السياسات الحاكمة الفاسدة والتي من المفروض أن تقطع مع القديم وتنهي كل مظاهر الفساد وسرقة المال العام وتغيب العدالة الاجتماعية والعدالة الجبائية والتوزيع العادل للثروات .. وإذا كانت القناعة حاصلة بأن الفساد مرتبط بالاستبداد والسياسات القديمة ورموزها الفاسدين الذين استفادوا من منظومة الحكم فكيف نفسر توسع دائرة الفساد وتمدد صوره وتعدد الفاعلين فيه بعد الثورة ؟ وكيف نفسر تواصل حالات الفساد القديمة بل توسعها وازديادها في العدد والمجال بعد حلول حكام جدد قدموا من رحم المعارضة والمقاومة للدكتاتورية ؟ ولماذ لم تقدر الديمقراطية أن تقلل وتحد من منسوب الفساد حيث لا تعايش بين الديمقراطية والفساد ؟ وبصورة أكثر وضوحا كيف نقبل أن يكون لدينا اليوم رئيس حكومة بعد ثورة على منظومة حكم فاسدة ثار عليها الشعب متعلق به شبهات فساد مالي ؟ وكيف نفهم وجود مسؤولين سياسيين في مراتب متقدمة في الحكم وتلاحقهم تهم بتضارب مصالح من وراء روابط مالية مع الدولة ؟ وكيف يقبل مناضل ومعارض كان في الماضي القريب يندد باستغلال المنظومة القديمة تواجدها في الحكم ونفوذها السياسي للإثراء غير المشروع وتحقيق مكاسب مالية غير قانونية وعلى حساب مصالح الشعب أن يسمح لنفسه بأن يأتي ما كان ينهى عنه ويقاومه ؟ وكيف نفهم أن الكثير من المسؤولين المحسوبين على منظومة الحكم ما بعد الثورة متعلقة بهم قضايا وشبهات فساد ؟ وكيف نقبل أن يكون اليوم داخل سلطة القرار السياسي والتشريعي والتنفيذي في حكومات ما بعد الثورة أفراد معروف عنهم الفساد ومحسوبون على منظومة اللوليات المالية والاقتصادية المتحكمة والتي تمثل تواصلا لمنظومة حكم بن علي ؟
في الحقيقة هي أسئلة محيرة ومقلقة ومزعجة ولكنها مشروعة ومخيبة لآمال من قام بالثورة وحلم في أن مسارها سوف يغير من حاله ووضعه وآمن بأن الفساد قد رحل مع رأس منظومة الفساد فإذا به يكتشف أن الفساد موجود في الأفراد الذين أمنهم الشعب على تحقيق أهداف الثورة وتحقيق استحقاقات من قام بها .. وهي أسئلة ربما تأكد أن الفساد عقلية وثقافة تربى عليها الشعب ونبات غرسه عميق وعروقه ممتدة ما يجعل من الضروري البحث عن إجابة علمية لسؤال كيف يمكن أن يكون المناضل والمعارض السياسي لمنظومة الفساد فاسدا؟
وكيف نفسر تحول المقوم السياسي للفساد إلى فاعل في منظومة الفساد في سياق ثوري وفي مرحلة انتقال ديمقراطي تفترض أن تكون مرحلة نقاء وطهورية؟