محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: نـــحـــن والـــمـــرئـــيّـــة 68

01 أوت 2020  (18:14) صالون الصريح

كتب: محمّد نجيب عبد الكافي
وسيلة إعلام وتثقيف وترفيه، دخلت البيوت في النصف الثاني من القرن العشرين، فتبوّأت منها حيث شاءت، وتربّعت على القلوب والعقول، فكيّفتها كيف أرادت، والكبار والصغار، ذكورا وإناثا، لها طائعون، لما تقول منصتون، ولما تقدّم مشاهدون معجبون، إذ كلامها الحق، وخبرها الصدق، وما تنصح به سليم مفيد. هذه الوسيلة ليست سوى الإذاعة المرئية التي تفلسف بعضهم فأسماها " تلفزة " وجهازها الناقل العارض " تلفاز" وقلد وحاكى آخر فدعاها "تلفزيون" وناداها آخر باختصار فقال " تيلي " أو " تالي " وهم لها أسرى مستجيبون، لكل ما تأتيهم به سرعان ما به يقتدون. لا أحد يشك، أو يستطيع الشك، في أنها إحدى عجائب منجزات القرن العشرين، وأنها إشعاع علمي معرفي غريب عجيب، يُقرّب البعيد، ويشرح الغامض، ويفسّر المبهم، ويُصوّر غير الملموس، فيجلب ويشدّ ويسحر. لكن لابد من التساؤل عمّن اخترعها، ولأية غاية أرادها، وكيف طورها وحسنها، وهل بقي هو صاحبها وسيدها؟
إن الإجابة عن منشئها ومخترعها تحتاج إلى كثير القول والشرح. لكن باختصار شديد نقول إنها، كما هو الشأن بالنسبة لكبريات الاختراعات، لها عدّة آباء وأكثر من أم. فعدد كبير من الباحثين شاركوا في اختراع المرئية. أول من اقترح طريقة مرئيّة ميكانيكية هو الألماني باول نبكوف عام 1883. غير أنه لم ينجح في صنع جهاز. أول من فعلا أرسل أول صورة مرئية، وكانت عبارة عن صليب مالطة، هو المهندس الإسكتلندي دجون لوجي بايرد، وكان ذلك عام 1924 وعرض عمله أمام العموم بلندن سنة 1926. بالتوازي معه، قام الأميريكي تشارلس جانكنس، باختراع مرئية ميكانيكية بالولايات المتحدة. ادعى أنه أرسل صورة عبر الأثير عام 1923 غير أن أول عرض على الملإ قام به عام 1925. أميريكي آخر هو فيلو فارمسوورث، قام من جانبه باختراع أول مرئية إلكترونية. وأخيرا، حسب علمنا، قام الروسي فلاديمير زفوريكين، المهاجر بالولايات المتحدة، الذي استطاع الحصول على شهادة لاختراعه عام 1923، وكان ما عرف باسم " أنبوب محلل " وهو القطعة الأساسية في جهاز المرئية. كان كل هذا بالأبيض والأسود. أما بالألوان فجاء ذلك على يدي دجون لوجي بايرد الذي عرض اختراعه على العموم بلندن عام 1938
إن اختراع بأول نبكوف أسطوانته التي تحمل اسمه، نبكوف، يعتبر تقدما كبيرا في جعل المرئية وسيلة تواصلية ذات بال، لأن التغيير الذي قد أتت به المرئية، كما وكيف نفهمها اليوم، هو اختراع فيلو تايلر فارمسوورث وفلاديمير زفوريكين. فهذا أعطى مجالا أو خطوة لمرئية إلكترونية كلية، تضمن أكبر وضوح للصورة وإنارة خاصة. إن أول بث مرئي عمومي قامت به بي بي سي بإنكلترا عام 1927 ثم سي بي آس وأن بي سي بالولايات المتحدة سنة 1930. هذه هي الإجابة عن الجزء الأول من السؤال. أما الغاية من الاختراع فالإجابة عنها تدخل بنا عالم التكهنات والغيبيات لأننا لم نعثر على أي تصريح أوكتابة، أو أقل ما يرضي شغفنا. لذا لم يبق لنا إلا أن نحسن الظن، وأن نقول بأن غاية المكتشفين كانت أولا بدافع العلم والتطور وتحسين الموجود، وأيضا بحثا عن الشهرة والفائدة المادية. وأخيرا، الجواب عن سؤال هل بقي الاختراع بأيدي مخترعيه أو بقيت لهم كلمة بشأنه، فالجواب هو النفي والنفي القاطع. لأن قطعة الحلوى هذه التي جاء بها العلماء الباحثون المخترعون، نزلت كسحابة رحمة على الذين لا همّ لهم سوى الهيمنة والسيطرة والتحكّم في حاضر ومستقبل ومصير الآخرين، بأية وسيلة كانت، فوجدوا المرئية أنسب وأسلم وأسهل وأقوى وسيلة، كي لا نقول سلاح، يبلغهم مرامهم دون التعرّض لمعارضة أو ذمّ أو نقد، أو احتجاج، أو حتى تذمّر أو شكوى، لأن المرئية ذات وجهين، ظاهرها حسن وخير، وباطنها قبح وشرّ. عدّدنا في البداية محاسنها وفوائدها، وقد قصّرنا في حقّها، لأن مزاياها وفوائدها الخيّرة أكثر ممّا عدّدنا. هذه المحاسن والفوائد، هي التي أعمت الكثيرين ولا شك، فلم يروا مضارَّها ولا اهتمّوا بسيّئاتها الهدّامة، فبقي المجال فسيحا خاليا من اعتراض أو عرقلة، أمام ذوي النفوس الأمّارة بالسّوء، فسخّروها أيّما تسخير، وها هي تعبث بالعقول، وتسيئ إلى الأخلاق والمبادئ، وتعتدي على المشاعر والأحاسيس. استغلها هذا لاستعباد شعب، واستعملها آخر لبث وترسيخ مذهب أو عقيدة، وبها وعبرها زوّر ثالث، كما أراد، المعلومات والأخبار والتاريخ، حتى لم يعُد المرء يفرّق بين ما هو حقيقة، وبين ما هو مُكيّف مُزوّر مدنّس، حتى شك الكثيرون في صحة صور وأخبارها، مثل النزول على سطح القمر. كلّ هذا والمشاهد يشرب ذلك ويستوعبه هانئا ضحوكا. وما هو أدهى وأمرّ وأخطر، هو شرح وتعليم وتدريب مشاهديها، صغار السن والنفوس خاصة، كلّ وسائل وأشكال الشر، من اعتداء وسرقة، واختطاف، واغتيال، وتعذيب، وكلّ ما يشبه هذا ويرادفه، مرورا بطرق وكيفيات الحصول على المخدرات بأنواعها تسمية ووصفا، وطرق تناولها، وما غير هذا أكثر وأضر. آخر ما صدمني وجرح أحاسيسي، شريط عثرت عليه وأنا أنتقل من قناة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، فإذا بي في أشهر قناة عالمية، وأغلاها للمشتركين، تبث بالفرنسية شريطا، أحد أبطاله صبي لا يتجاوز عمره اثنتي عشرة سنة، يصول ويجول برشاشته. أردت مشاهدة الشريط إلى آخره، فلم أستطع الثبات أكثر من عشر دقائق على الأكثر، إذ الشراسة والبشاعة والعنف وطرقه أقوى مما يُحتمل. لم أشر، حتى الآن إلا لجانب العنف والإجرام، وما يتبعهما من لغة وحركات، كلها قبح وبذاءة، علما بأنّ هناك مجالات عديدة، ترتع فيها المرئية مُسيئة أكثر من مفيدة، بعكس ما ينتظر منها، أذكر منها السياسة، واللغة، والآداب، والقائمة طويلة قابلة للتطويل.
إني بحكم المهنة وحب الاطلاع، ولإقامتي بأوربا، أبحر باستمرار على أمواج ما يزيد عن عشرين قناة أوربية، فلاحظت نوعا من وحدة الغاية والتسيير، كأنّ يدا واحدة تتحكّم وتسيطر على مناهج معظم القنوات، وبثها لنفس الأشرطة والبرامج والمسلسلات. أجريت تجربة، وليقم بها من أراد، وهي ولوج خمس قنوات، من خمسة أقطار، بخمس لغات مختلفة، في ليلة واحدة، فإذا بي أمام نفس السلسلة، وهي من تلك التي وصفت سلفا. اكتشفت أيضا، أن انقطاع بث الشريط وفسح المجال أمام الإشهار والإعلان، يتمّ في نفس الوقت في كل القنوات ومختلف البلدان. كيف يمكن تفسير هذا يا ترى؟ لم نجد، حتى الآن، إلا الاقتناع بأن يدا سحريّة واحدة، إرادة وسلطة فعلية واحدة، هي المتحكمة المسيّرة، بصفة أو بأخرى، لما يسمّى تلفزة، تليفزيون، تيلي، أو مرئية، لتفعل، أمام سلبية وعدم اكتراث الجميع، كدت أقول القطيع، كأن لا أحد يرى ضررا ولا إساءة. بعد هذا، وما سكتنا عنه أدهى وأمر، أيحق الاستغراب، أو التشكي، أو التذمّر من العنف ومآسيه، وكثرة الاعتداءات والجرائم في كل قطر ومكان، والتدهور الأخلاقي في كلّ مجتمع وآن؟ ليس لأحد الحق، ولا حتى في الكلام عن هذا الشأن، لأنه علاوة على أن كلامه – ككلامنا الآن– يجلب له الضحك والسخرية من العاقل وغير العاقل، لكن لأنه كالبقية الصامتة، مسؤول مذنب ولو بصمته. إن المُستغرَب أمام ما وصفنا، وهو بعض من كثير، هو عدم الاكتراث، أو الإهمال، من الذين عليهم مسؤوليات النظام والأمن، والأخلاق والتربية، وتكوين النشء وصيانة المجتمع، من كلّ العاهات والأضرار. لم نسمع حتى الآن، في أي بلد أو قطر، صوت مسؤول – أو حتى غير مسؤول – يطالب بالبحث عمّا به يردع الخطر، ويمنع تفشّيه، وعمّا من شأنه جعل المرئية أكثر إفادة كوسيلة تحسين وتهذيب، وتكوين وتدريب، على المحاسن والفضائل، بدل المساوي والإجرام، أو السب والشتم. فالحال باقية على ما هي عليه، تزداد سوءا مع الأيام، وتزداد انتشارا وسهولة التقاط للصغير قبل الكبير، حتى أن القنوات، أو البرامج، أو الأشرطة المخفية، يمكن الحصول عليها بكل سهولة عبر الشبكة العنكبوتية، وبالهاتف المحمول لمن أراد. يبدو أننا بمخترعاتنا المتقدّمة نتقهقر بدل التقدم، وسيعم العنف والاعتداء، بدل السلام والأمن، ومن سيبقى في الدار يسدّد الإيجار.