أحمد القديدي يكتب لكم: الإسلام حضارة فلا يجوز إختزاله في السياسة! (الجزء 1)

01 أوت 2020  (19:10) صالون الصريح

كتب: د.أحمد القديدي
يمكن اعتبار فبراير 1979 لحظة انتصار الثورة الإيرانية الإسلامية محطة أساسية فارقة في تاريخ الإسلام السياسي و العالم العربي و حتى في الغرب فقد كتب المفكر الفرنسي الشهير (ميشال فوكو) في تلك الأسابيع كتابا حول ثورة إيران الإسلامية و صنفها كتحول كبير في الفكر الحضاري الديني وقال أنها تعلن ميلاد وعي ديني يقاوم الطغيان السياسي و بشر بعصر جديد للإنسانية أما في العالم العربي فالكتب و الأدبيات حول ثورة الإمام الخميني و الملالي لا تحصى و لا تعد بل إن حركات الإسلام السياسي ما بعد الإخوان نشأت في ظلال ثورة إيران و انتشرت و وصل بعضها إلى سدة الحكم أو إلى زنزانات السجون! وقد وجدت نفسي شخصيا دون إرادة مسبقة مني في خضم العاصفة الإيرانية والسبب هو أني في أواخر 78 ومطلع 79 كنت باحثا في قسم دكتوراه الدولة في جامعة السربون أعد رسالتي بإشراف أستاذنا الكبير المستشرق (دومينيك شوفالييه) والتي عنوانها (كيف حللت الصحافة الأوروبية ظاهرة الإسلام السياسي؟) و فجأة و أنا أباشر جمع المراجع في المكتبات الباريسية اندلعت ثورة الشعب الإيراني و حل زعيمها الإمام الخميني في باريس من منفاه العراقي بسعي مشترك بين واشنطن و باريس و استقر في قرية (نوفل لو شاتو) في ضواحي باريس غير بعيد عن فرساي فرأيت حسب نصائح أستاذي أن أتوجه أيام الجمعة إلى (نوفل لو شاتو) لأستقي المعلومات الأساسية من ينابيعها حول الثورة الإيرانية و زعيمها الخميني و فعلا لم أجد صعوبة كبرى في زيارة مقره حين شرحت أسبابها وهو مليء بمريديه و حراسه و زعماء المعارضة الإيرانية من غير الإسلاميين و هؤلاء أغلبهم اقام سنوات في فرنسا أمثال أبو الحسن بني صدر و صادق قطب زاده هؤلاء هم الذين طحنتهم الثورة في بداياتها الفوضوية الشعبوية فحكم عيهما بالإعدام و لكن بني صدر هرب الى فرنسا في طائرة عسكرية بينما مع الأسف صادق قطب زاده وهو وزير خارجية تم إعدامه وقد كانا لي نعم المترجمين أثناء زياراتي لمقر أية الله. ثم التقيت بني صدر وهو في مقره الباريسي في قرية (أولناي سوبوا) و أجريت معه حوارات نشرتها سنة 82 على حلقات في صحيفة (العمل) التونسية و تعرفت على زعماء حركة (مجاهدي خلق) و من بينهم إبنته و زوجها مسعود رجوي و خلال سنتي 78 و 79 بعد أداء صلاة الجمعة بإمامة الخميني أتحدث معهما و يترجمان لي ما أمكن من تصريحات أية الله المقتضبة لأضمنها صلب رسالتي في السربون. و نتذكر أنه بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية والانتصار المكثف للإخوان المسلمين في نقابات مصر و بلوغ إخوان الكويت منابر البرلمان ثم تشكيل حكومة من الإخوان في المغرب و تحالف السياسيين الأردنيين مع الإخوان لتشكيل الحكومات الأردنية الى اليوم مما حرك الحديث في أدبيات العرب عن دور الدين في "أخلقة" السياسة والفرق بين الإسلام الحضاري والإسلام السياسي وشرع أهل الثقافة والفكر من بين حكماء العرب يتجادلون عن دور هذا الدين الحنيف السمح في توجيه المجتمعات المسلمة وتحقيق تقدمها وصيانة مكاسبها وتجسيد طموحاتها في العزة والكرامة والمجد وعن التعايش المصيري والضروري بين قيم العقيدة ومستحقات السياسة هذا التعايش الذي يبدو للرأي العام لدينا ولدى الغرب صعبا وحمال إشكاليات إذا ما اكتفينا بسماع أصوات بعض الفقهاء أو المتفقهين المتطرفين الذين يقرؤون ظاهر النصوص الحرفية ويوصدون أبواب الاجتهاد ويلغون نعمة العقل فيقدمون للعالم هذا الإسلام الحنيف كأنه إسلام القاعدة أو داعش أو حركة طالبان الأفغانية حين فجرت التماثيل البوذية الأثرية في (باميان) أو إسلام الحدود في صيغتها النصية القابلة في الحقيقة للتفسير والتأويل والتحديث أو إسلام قهر المرأة بينما هو الدين الذي رفع المرأة إلى منزلة الشريك الكامل للرجل وأسند لها الحق في المال المستقل والعمل الكامل والقيادة السياسية والإبداع الثقافي والتأثير التربوي في إنشاء المجتمع و الذي حدث خلال ثلث القرن هو إما بلوغ حركات تدعي الإسلام سدة الحكم كما في السودان أو إعلان إستئصال علماني متطرف طال كل ما فيه نفس مسلم كما وقع في تونس. وشهدنا على فشل النموذجين وانتهاء التجربتين الى دمار المجتمعات و تمكين الاستبداد ثم بداية الربيع العربي انطلاقا من تونس و بداية الثورات المضادة لإجهاضه و إعادة العرب الى بيت الطاعة على خلفية الجدل و الصدام بين إسلام الحضارة و إسلام السياسة.