عدنان الشواشي يكتب لكم : عندما قال لي بلغيث الصيادي ...لا تخف يا عدنان... ما عندك كان الرّجال (صورة)

06 أوت 2020  (19:38) صالون الصريح

كتب: عدنان الشواشي
كنّا مجموعة كبيرة من الشبّان و الشّابّات مجتمعين بقاعة الإستقبال بدار الإذاعة و التّلفزة ، قاعة فسيحة مريحة زادها دفئا و رونقا و بهجة تلك اللّوحة الزّيتة الحائطية الرّائعة الضّخمة التي أبدع في رسمها الفنّان و الرسّام الكبير زبير التّركي رحمه الله و طيّب مثواها الذي جمع فيها أشهر وأكبر أسيادنا من شعراء و أدباء و فنّاني تونس العتيقة الأصيلة الغالية...
كنّا إذن في حالة تركيز صامتة ورهبة واضحة شاملة ، كلّ منّا منتظرا مناداته بالإسم للغناء أمام لجنة التّحكيم الموقّرة المتكونة آنذاك من أسيادنا
" عبد الحميد بلعلجيلة ، علي السريتي ، الشّادلي أنور ، عبد المجيد بن جدّو ، الهادي الجويني ... رحمهم الله و جعل مثواهم الجنّة....
كنّا يومها بالعشرات....
بعد إنتهاء الإمتحان ، أطلعنا رئيس اللّجنة "سي عبد الحميد" على قائمة الفائزين ... كنت ، و الحمد لله ، واحدا منهم...
و من وقتها إنطلقت الرّحلة الفنّية الجماعية في أجواء حميمية أخوية بيننا... و كان بلغيث أحد أبرز أفراد "الشلّة" بلَكْنته المميّزة الطريفة و دعاباته المعهودة الظّريفة و تقليده المُتقن لصوت و حركات المطرب و الفنّان الكبير " فهْد بَلّان" رحمه الله...
و ممّا زادني قربا من حبيبي بلغيث، إختياري إبنه الصّغير الطّفل الرّائع الفنّان الموهوب " أنيس" ليصاحبني في غناء أغنية "حرمان" ..
كنت أزور ، يوميا ، بيت بلغيث الصّيادي "بمنزل بوزلفة" لأقوم بتحفيظ أنيس المقاطع الخاصّة به..
و قد ساعدني بلغيث كثيرا في هذه المهمّة ملقّنا إبنه كيفية الغناء السّليم و الحضور الرّكحي الأمثل...
سجّلنا الأغنية و لاقت نجاحا باهرا و الحمد لله و في نفس السّنة 1981 قدّمناها على ركح مسرح قرطاج في عرض كبير مشهود أين غنّى أنيس و عمره " أربع سنوات" أغنية ثانية بمفرده " يا بابا الله يخلّيك" مواجها جماهير قرطاج الغفيرة بشجاعة و قدرة فائقة على الغناء الفردي المباشر المقنع السّليم... لن أنسى أبدا تلك اللّحظات التّاريخية التي كنت واقفا أثناءها على حافّة ركح قرطاج أرتجف خوفا على الطّفل أنيس من إنعكاسات الشّعور بالرّهبة في مثل تلك الوضعيات الفنّية المربكة الصّعبة و كيف كان والده بلغيث واقفا بجانبي و هو يتمتم و يقول :" لا تخف يا عدنان... ما عندك كان الرّجال"...
رحمك الله يا صديقي و حبيبي الوفيّ و رفيق دربي و جليسي المبتسم الضّاحك المازح الرّقيق اللّطيف الأبيّ... رحمك الله يا بلغيث الصيّادي يا غالي يا فنّان... ومن الآن إلى أن نلتقي إن شاء الله أقول لك إنّك في القلب و في الذّاكرة و أنّ إسمك منحوت بحروف من ذهب في سجلّ تاريخ عائلتنا الفنّية الكبرى الوفية لذكراك العطرة و روحك الزّكية...
إلى اللّقاء يا أعزّ و أغلى الأصدقاء...