نوفل سلامة يكتب: «حكومة قصر قرطاج»… أم حكومة إطفاء حرائق…أم حكومة لا تعترف بنتائج الإنتخابات؟

11 أوت 2020  (18:48) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة
وأخيرا أفصح رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي عن نتائج المشاورات التي أجراها مع الأحزاب السياسية ومختلف الهيئات الاجتماعية والشخصيات الوطنية لتشكيل الحكومة الجديدة، وبذلك نكون أمام تصور واضح المعالم للمرحلة السياسية المقبلة والتي تأكد أنها سوف تكون من دون حضور واضح للأحزاب السياسية ولا تأثير للتشكيلات الحزبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع ومن دون حضور للأحزاب التي أحرزت على مواقع متقدمة في المشهد البرلماني بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات والتي عادة ما تؤهلها للحكم وقيادة البلاد بما يعني أننا مقبلون على مشهد سياسي مقصاة منه كل الأحزاب السياسية من الفعل السياسي ومن التأثير في الشأن العام ….
فهل ينجح المشيسي في هذا الخيار؟ وهل يكتب لحكومته البقاء وتحقيق ما هو مطلوب منها في ظل غياب الحزام السياسي والدعم الحزبي ؟ وكيف سيكون تعامل الحكومة الجديدة مع السلطة الأصلية برلمان الشعب الذي تم تغييبه من تكوين الحكومة؟
اليوم بات واضحا أن الخيار الذي سار فيه رئيس الدولة قيس سعيد بتكليف شخصية لتتولى تشكيل الحكومة الجديدة من خارج الحزام الحزبي ومن خارج دائرة الأحزاب قد تم تكريسه والمواصلة فيه بعد إعلان هشام المشيشي أنه اختار تشكيل حكومة جديدة مكونة من كفاءات مستقلة تماما عن كل الأحزاب السياسية تتوفر في أفرادها النزاهة والاستقلالية، وقد استند المشيشي في هذا القرار إلى جملة من المعطيات أهمها أن هناك اليوم انطباع عام في الشارع التونسي ولدى جانب كبير من الرأي العام من أن النخبة السياسية الحالية هي نخبة فاشلة في إدارة الحكم وأن الشعب قد فقد ثقته في المنظومة السياسية الحاكمة التي تقودها الأحزاب السياسية، وفي قدرتها على تقديم الحلول المستعجلة التي يطالب بها المواطن وهي نخبة عاجزة عن الاستجابة إلى أبسط استحقاقاته اليومية من توفير الماء في الكثير من المناطق والحفاظ على المقدرة الشرائية التي تعرف تراجعا ملحوظا وعدم القدرة على الصمود أمام ارتفاع المتواصل للأسعار.
يعتبر المشيشي أن المناخ الاقتصادي والاجتماعي المتسم بتراجع كل المؤشرات ووجود صعوبات مالية كبيرة وعجز في الميزانية وارتفاع في المديونية يقابله اتساع درجة الاختلاف بين الأحزاب السياسية وتزايد حدة التناقض بين الفرقاء السياسيين كل ذلك يمنع من تشكيل حكومة تجمع كل الأطراف السياسية وتضمن الحد الأدنى من الاستقرار السياسي في البلاد وهذا الواقع يجعل من الضروري تشكيل حكومة رهانها الوحيد انجاز اقتصادي واجتماعي يكون محور اهتمامها مشاغل المواطن على حد قوله ولها أولوية وحيدة وهي تقديم الحلول العاجلة التي لا تنتظر و تتطلب سرعة في الانجاز من غير أن تكون رهينة الحسابات والخصومات السياسية. يقول المشيشي : " في تقديري إن تونس في مرحلتها الراهنة وأمام كل التحديات التي ذكرتها تحتاج إلى حكومة كفاءات مستقلة تماما عن كل الأحزاب وتتوفر في أعضائها شروط النجاعة والجاهزية والنزاهة وتكون قادرة على العمل في تناغم لتحقيق أهداف برنامجها المتمحور أساسا حول إيقاف نزيف المالية العمومية من خلال عقلنة النفقات والرفع من الموارد الذاتية للدولة والمحافظة على مكاسب القطاع العام والمؤسسات العمومية وتطوير نظم الحوكمة وتعزيز مناخ الاستثمار واسترجاع الثقة بين الدولة والمستثمرين والحد من تدهور القدرة الشرائية للمواطن وتفعيل كافة آليات الضغط على الأسعار وتدعيم الاحاطة بالفئات الهشمة وتفعيل آليات التمييز الايجابي بين الجهات مع تكريس علوية القانون وفرض احترامه."
من خلال هذا التصور الذي قدمه المشيشي عن حكومته وهذه الرؤية السياسية عن طبيعة المشهد المرتقب وعن الرهانات التي يعول عليها نلاحظ أن حكومته لا تختلف كثيرا عن تصور الرئيس قيس سعيد للحكم وتقترب من موقفه من الأحزاب السياسية التي يعتبرها عائقا وعبئا معطلا نحو تقدم البلاد ويتماهى مع فلسفته للسلطة التي يراها من دون تدخل للبرلمان والأحزاب التي شكلته في العملية السياسية والعمل الحكومي وهو بذلك يكون وفيا لتصوره السلبي والرافض للديمقراطية التمثيلية القائمة على الأحزاب المتنافسة في الانتخابات والقائمة على فكرة الانتخاب على القائمات لا على الاشخاص وفكرة أن الشعب ممثل من خلال نوابه في البرلمان ومن خلال أحزابه السياسية.
ملاحظة أخرى مهمة في تصور هشام المشيشي لتشكيل الحكومة وهي غياب أي حديث عن ظاهرة الفساد وعن مواصلة محاربته كما يفعل عادة كل رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا بعد الثورة وفي المقابل نجد تركيزا كليا على المعطى الاقتصادي والاجتماعي بما يعني أن الحكومة الجديدة سوف لن تكون كسابقاتها تعد بإجراءات للإقلاع بالاقتصاد وإرجاعه إلى سالف عهده وإنما مهمتها الأساسية هي الحد من الانهيار المالي وإيقاف التراجع والتدهور الاقتصادي حتى لا يزداد النزيف أكثر فهي من هذه الناحية حكومة إطفاء الحرائق وحكومة الحفاظ على الموجود وعلى الوضع الراهن حتى لا يزداد سوء في انتظار تحسن المناخات الاقتصادية والمالية وهذه الطبيعة لحكومة المشيشي تجعلها في غير حاجة إلى الاحزاب طالما وأنها لم تضع على عاتقها تحدي الاصلاحات وتحدي محاربة الفساد وتحدي محاربة مختلف المظاهر الاجتماعية من فقر والحد من الجريمة والحد من التهريب والحد من البطالة وهي أوليات مغيّبة من برنامج هذه الحكومة ما يجعلها حكومة تصريف أعمال وحكومة تابعة لقصر قرطاج لإبعاد الاحزاب السياسية عن الحكم وحكومة لا تعترف بنتائج الانتخابات وتتجاهل السلطة الأصلية في البلاد ألا وهي السلطة التشريعية…