نوفل سلامة يكتب: على هامش جريمة «رحمة» المروعة..هل يكون الوازع الديني كافيا؟

30 سبتمبر 2020  (18:51) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة
مع تنامي ظاهرة الجريمة بأنواعها في المجتمع في السنوات الأخيرة وارتفاع وتيرة الاعتداءات العنيفة على الأفراد وخاصة الاعتداءات التي تتعرض لها المرأة وأمام تكرر حالات القتل الشنيع التي تحدث يوميا إلى درجة أن أصبحت ظاهرة ملفتة وآخر هذه الجرائم وليس آخرها عملية القتل التي تعرضت لها الفتاة " رحمة " وهي عائدة من عملها ومع اتساع دائرة الرفض للسياسة العقابية التي تنتهجها الدولة والقائمة على الامتناع عن تطبيق عقوبة الاعدام احتراما للتعهدات الدولية التي أمضت عليها الحكومة التونسية والاتفاقات الملتزمة بها و التي تمنع تطبيق عقوبة الاعدام بحق كل شخص تسبب في قتل شخص آخر والاكتفاء بعقوبة سالبة للحرية لاعتبارات لم تعد تلقى اليوم القبول والاقتناع الشعبي .. أمام هذا التحول في النظرة إلى حوادث القتل التي لم تعد معزولة ونادرة الوقوع بعد أن تحولت إلى صورة الخبز اليومي للمجتمع ، حاول بعض المختصين في مجال الدراسات الاجتماعية والمهتمين بالتحولات التي تعرفها المجتمعات أن يقدموا إجابات علمية تفسر أسباب تنامي ظاهرة الإجرام في المجتمع وتزايد حوادث القتل البشعة والتي يذهب ضحيتها بنسب كبيرة النساء والأطفال ومن هذه المقاربات التي تحاول أن تفهم لماذا وكيف بات المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة مجتمعا عنيفا ؟ وكيف أصبح الفرد التونسي مجرما ومقبلا على القتل بكل سهولة ؟ ولماذا ازداد منسوب العنف ضد المرأة في السنوات الأخيرة حتى وصل إلى حد القتل المروع ؟
التفسير الذي يتبناه بعض علماء الاجتماع يرجع ارتفاع الجريمة إلى ضعف الدولة وغيابها وتراجع دور مؤسسات المرافقة والتنشئة وغياب منظومة الإحاطة الاجتماعية فما حصل بعد الثورة هو حصول تفكك كلي لدور الدولة الراعية والحاضنة وانحلال كبير في مهامها الاجتماعية ما جعلها تفقد قدرتها على التحكم في الأمور وقدرتها على الضبط الاجتماعي وعجزها عن إدارة المجتمع دون توترات وهذا التحول الذي حدث في وضع الدولة قد جعل منها دولة غائبة في حياة الافراد وضعيفة في نظر المجتمع فالدولة وإن كانت موجودة ومهيمنة بهياكلها وتشريعاتها وجهازها الرقابي والأمني إلا أنها على أرض الواقع غائبة في حياة الناس وغائبة بعجزها عن توفير أبسط الخدمات وأهمها توفير الأمن وضمان السلامة وحماية الحريات وهذه الصورة التي بات عليها حال الدولة اليوم هو الذي سمح لبعض الأفراد بالتطاول عليها واستباحتها والتعدي عليها وكسر حاجز الخوف من بطشها وهيمنتها وسطوتها وسمح بنزع الخوف من عقابها وقوانينها الردعية والزجرية. لقد انتجت هذه الوضعية أفرادا تعيشون خارج الدولة وفوق قانون المجتمع السوي وصنعت أفرادا لا يفكرون إلا في ذواتهم وأنانيتهم وأوجد لنا أشخاصا تتحكم فيهم فردانيتهم التائهة والشاردة والمتحللة من كل قيد أخلاقي ومن كل رابط قيمي لقد انتج غياب الدولة وضعفها أشخاصا مستعدين أن يفعلوا كل شيء من أجل ذواتهم وأنانيتهم ونزواتهم ورغباتهم حتى ولو أدى ذلك إلى اللجوء إلى القتل وسفك الدماء وإزهاق أرواح الآخرين بيد باردة ودون خوف من العقاب قد تسلطه الدولة عليهم .
هذه المقاربة التي ترتكز في فهم ظاهرة تنامي الإجرام في المجتمع وارتفاع منسوب القتل في السنوات الأخيرة إلى غياب الدولة وحضورها وعجزها عن ضبط المجتمع وعدم قدرتها على توفير الأمن والسلامة للشعب مما يجعل أن الحل حسب هذا التصور لمعالجة الظاهرة الإجرامية يكمن في استعادة الدولة لدورها الأمني واسترجاعها لمهمتها في ضبط المجتمع بالقوة وبيد من حديد حيث لا تساهل مع الإجرام مهما كان مأتاه ومهما كان نوعه حتى يعود للدولة مهابتها ودورها في توفير الأمن للناس .. هذه المقاربة رغم أهميتها في فهم وتفسير ظاهرة الجريمة في تونس إلا أنها تبقى زاوية نظر مهمة و إن كانت لا تكفي بمفردها لتفكيك الظاهرة من أجل ايجاد الحلول للتقليل من خطرها ولعل من بين أسباب ارتفاع منسوب القتل وارتفاع الجريمة بأنواعها تراجع منظومة القيم الدينية لدى الأفراد وغياب التعاليم الدينية في حياة الناس وعدم الاكتراث أو الخوف من المحرمات الدينية حيث يغيب الوازع الديني في شخصية الفرد المجرم الأمر الذي يجعل ارتكاب المحظور أمرا سهل الوقوع ولا يخلف في نفسية المجرم وضميره أي أثر من الخوف من العقاب الأخروي فعدم حضور صورة الإله في حياتنا المعاصرة قد يفسر جانبا من هذه الظاهرة التي باتت مقلقة للغاية وهذا فعلا ما تعرضت له رواية " الجريمة والعقاب " للأديب والمفكر الروسي " ديستوبفسكي " والتي تعد من روائع الأدب العالمي لقيمتها الفنية ولراهنيتها في تفسير جانبا مما يحدث من جرائم القتل حيث انتهى هذا الكاتب بعد أن بسط تداعيات التحولات الكبيرة التي تحدث في المجتمعات والمنعرجات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ترافق التحولات المجتمعية و التي تخلف أزمات تؤثر في نفسية الأفراد وتتسبب في ظهور ظواهر اجتماعية خطيرة منها إنزياح الأفراد نحو الجريمة غير المألوفة ، انتهى إلى أن لكل جريمة عقاب يناسبها ولعل عقاب المجتمع للمجرم هو أقصى عقاب من خلال وصمه بالمجرم الذي لا يقبل به المجتمع فردا بين المجموعة وانتهى كذلك إلى أنه من بين الحلول الممكنة للتقليل من منسوب الجريمة ومحاصرتها مصالحة الفرد مع هويته الدينية الذي يعدها الخلاص والإنعتاق من الفعل الإجرامس المدان فالخلاص حسب ديستويفسكي يكون من خلال العودة إلى الدين والتقيد بقيمه ونصوصه المحرمة للقتل والناهية عن الاعتداء على الغير وتحريم سفك الدماء وهذه القيم يعتبرها ضرورية لعيش المجتمع وسلامته وهذه العودة إلى صورة التدين المشبعة بالقيم والمبادئ الدينية يعدها الخلاص من كل الخطايا والخلاص من اللجوء إلى ارتكاب الجريمة طالما وأن صاحبها الذي يفكر فيها يعلم أن الاله لن يرضى عنه وسوف يعاقبه في الآخرة قبل عقاب الدنيا على فعلته الشنيعة .
ما أردنا قوله من خلال الإحالة إلى بعض ما جاء من معان في رواية الجريمة والعقاب للأديب الروسي دوستويفسكي أن ضياع القيم الدينية وغيابها في حياة الأفراد ونسيانها وهجرتها من سلوك الناس قد يكون أحد الأسباب التي جعلت بعض الاشخاص يقدمون على ارتكاب المحظور والتجرؤ على القتل لغياب معنى ومفهوم الحرام لديهم .