" لو أن للريح جوربا " للشاعر فريد السعيداني : لعبة الشعر نحو أنسنة الأشياء ليصير للتراب حذاء (صورة)

14 أكتوبر 2020  (17:48) فنون

الشعر هذا الطالع من ذاكرة التفاصيل و ايقاع الأشياء حيث الحواس تكتب سيرتها بشجن الحال و اعتمالات الذات و لا يملك الشاعر عندها و مع ذلك سوى ان يهب العناصر حيويتها لتقول شيئا من نشيده ..الريح هنا حالة شعرية مثلا جعل منها صاحبها مدار سؤال و حنين و قول للنفاذ الى أحواله و تجواله في دروب مر بها في لون من الذكرى بل في كثير من النظر تجاه الآخرين ليدلهم على طعم الريح في القصائد و في الحياة و كيف لها أن تصير العنوان بين لونين و الفكرة في لعبة اللليل و النهار...و منهم الشعراء لدرء الضياع..و المغيب.
" سأقول
لقد ضيع الشعراء نهاراتهم
ضيعوا الريح في سلم تحت أثوابك المشتهاة
مشوا عمرا خاط أغلبهم جورب الريح كي يتبعوها
و حين أناخوا بأبصارهم خلفهم لم يكن أثرا
غيرأقدامهم متدلية في حذاء المغيب...."
الريح هنا هي الأصل و الفكرة الأولى و هي الملاذ ما جعل الشاعر في هذا الشغف بسير الريح يتبعها كي لا يؤول الى المغيب..انها اللغة مادة الشاعر المتقلبة كالريح يحاول أسرها مبتكرا لها الجورب كي يحفظ الأثر و المعاني ...
هكذا هي عوالم الشاعر فريد السعيداني في هذه المجموعة الشعرية التي عنوانها " لو أن للريح جوربا " الصادرة عن دار زينب للنشر و التوزيع سنة 2015 في 80 صفحة و من الحجم المتوسط وفيها قصائد ضمن اربعة فروعهي " ترشدك الريح الى " و " أي علاقة تقيمها الريح مع البيت و المسكن " و " أرشديني الى بصيرتك أيتها الريح " و " باب الحضور..باب الغياب".
ها هي الريح اذن يحاورها الشاعر و يبتكر أثرها العالي في تفاصيل الأشياء بين الأمكنة و البيوت و النوافذ يرتجي حكايات الشعر و هو يطلق الأسماء على ما بدا مألوفا ليضفي عليه شعرية أخرى نراها و نلمسها في مشهديات شعرية على غرار قصيدة " سكان النوافذ " :
" في البيت نافذة بأسنان مرتبة
تزيح ستائري حتى تحرك عضلتي فمها
تسمي الريح علكتها ...
لكي تتحرر الحجرات من ثقل الهواء
لذاك سمينا الخطى حرفا على شفة النوافذ
ثم قلنا للستائر أنت ألسنة تشد الى حناجر
لا نسميها سوى حجراتنا ...
تلك التي يوما دخلنا - دون أن ندري – أسرتها
فسوس ضرسنا حتى انتبهنا
أننا أسنان نافذة تعاشر علكة الريح التي
في عضلتي فمها.".
هي قصائد الريح التي تنبت في الصور و في الأرجاء و الأيام ..هي الوجد و الحب و الذكرى و ثورة الأشياء على الأشياء ..تبتكر عوالمها من ذات الشاعر حيث يقيم السعيداني في نصوصه هذه تلك العلاقة الجمالية لا يلوي على غير الريح جوابا على الساكن و الميت و المنتهي و المهمل..هي انتباهة الشاعر يعلي من شؤون الذات و شواسعها في كون له من التداعيات و السقوط ما به يرجو الرشاد تجاه بصيرة الريح متوسلا أملا في الشمس و الطير
في انتظار باذخ هو الأمل و الحياة :
" يدخل الصيف سريري
فأغطيه
و أحصي في الملاءات الهدايا
طائر يطوي جناحيه
و ماء تقنص الشمس يديه
كنت دوما أشتهيها مثل صيف
يقفز البحر اليه
(.........)
خلف الصيف غيوما في سريري
لم أجد طيرا و لا شمسا تصيد الماء
صار الضلع بيتا للشتاء
غير أني لم أزل منتظرا عودة صيفي
انه الضلع و قد فتح عينيه. ".
قلق يسكن الشاعر فريد و هو الممتلئ بريح الأسئلة يجترح منها كلمات و هيئات لوجوهه في هذه الدروب المفعمة بالحيرة..قلق هو ليس لأن الريح تحته بل انه الماكث في أمكنته يرقب الريح بعينين من وجد و تأمل و ... فالريح جوابه المنتظر و هي السؤال بل عينه حيث الانشغال بمشيتها و صورتها و خطواتها المتخيلة...انها لعبة التخييل في هذه القصائد المبثوثة في أسئلته نحتا للقيمة و تأصيلا للجمال و للكيان و للحكمة المشتهاة ... حكمة الرياح :
" كيف تمشي الرياح و لم نرها ؟
كيف يلتقطالظل صورتها ؟
أين خطوتها ان مشت حذونا ؟
هل غمام يصاذر فتنتها ؟
أفق مترب ذاك سلمها ؟
هل صعدنا لنبلغ حكمتها ؟ ...... " .
هذا حيز من سفر الشاعر فريد السعيداني الشعري و هو في عمله الشعري هذا " لو أن للريح جوربا " يجمع ما تشظى من هموم و هواجس تسكن الكائن في ضرب من الحلم و الخيال الشاسع و بلغة سلسة و أخاذة تقصدا لما يجعل الجمال عميما بوجه الاحباط و السقوط و هو يمضي في لعبة الشعر الباذخة نحو أنسنة الأشياء ليصير للتراب حذاء و للريح جورب و في كل هذا و ذاك يصغي لوقع الآخرين منتبها للحظة الآسرة..اللحظة الشاعرة .
".... ها هي الطرقات تحمل جوعهم
ألقوا النهار من النوافذ ...و اشتهوا
ما يبتنيه الغيب في أرض السماء
معاول الريح العنيدة تهدم الآن المساكن
مسكن الفقراء
ترفو الريح جوربها بخيط الماء
نسنع وقع أقدام تئن على الثرى
سافين تنكمشان داخل جورب
فتئن أحذية التراب. " .
انها الريح تدل الليل على النهار و المعاني على اللغة و الجمال على ألوانه..قصائد بطعم الوجدان و ألق العبارة و ترجمان الأسى يجمع بينها حرص الشاعر على ابتكار صوره الشعرية بعناية و القدرة على التخييل في سرد محبذ نحتا لحالات الشعر الجديدة و المتجددة قتلا للغناء الباهت و المفتعل من الأحاسيس في غير تكلف ...و هذه هي لعبة الشعر ينحت مجاريه بعناية كمياه النهر تماما اذ تفعل فعلها الباذخ في الصخر.
كتب: شمس الدين العوني