نوفل سلامة يكتب: غيّر قيس سعيّد مسار زيارته إلى مدينة بنزرت… فأين ذلك في القرارات؟

18 أكتوبر 2020  (21:02) صالون الصريح

كتب نوفل سلامة
رغم تعليقه على عملية تغيير مسار زيارته إلى مدينة بنزرت لإحياء الذكرى السابعة والخمسين لخروج آخر جندي فرنسي من تراب الوطن والترحم على شهداء معركة الجلاء ببنزرت بأنها خطوة جاءت بهدف الوصول في الموعد المحدد لإحياء هذه الذكرى الوطنية لا غير إلا أن المرجح أنها تصرف قد استجاب إلى الحملة التي أطلقها ليلة زيارته العديد من نشطاء شبكة التواصل الاجتماعي من أنصار الرئيس قيس سعيد حتى يغيّر الطريق المؤدية إلى مدينة بنزرت تحت عنوان " بدل الثنية " وهو المسلك الرسمي الذي تولت البلدية بمناسبة هذه الزيارة تهيئته وتزيينه والذهاب بدلا عن ذلك عبر المسلك العادي للتعرف عن قرب إلى حالة البنية التحتية وواقع الجهة الذي يريد المسؤولون اخفاءه عن الرئيس.
وسواء كان تصرف الرئيس بتغيير مسلك الزيارة إلى مدينة الجلاء اضطراريا أم كان استجابة إلى حملة " بدل الثنية " التي أطلقها أنصاره على مواقع التواصل الاجتماعي فإن هذا العمل قد خلف نقاشا حول مدى صحة ومعقولية هذا التصرف السياسي في علاقة باحترام الأعراف والتقاليد التي دأبت عليها برتوكولات الزيارات الرسمية والترتيبات الأمنية المعهودة لموكب الرئاسة خلال الزيارات التي يؤديها الرؤساء عادة حيث من المتعارف عليه أن الزيارات الرسمية يتم الترتيب إليها مسبقا ويكون مسارها معروفا ومؤمنا حتى تؤدي المهمة في ظروف طيبة خاصة وأن مثل هذه الزيارات في مثل هذه المناسبات لها غرض معلوم ومحدد وليست نشاطا عاديا من أنشطة الرئيس حتى يكون حرا في تصرفاته، وفي مقابل هذا الرأي هناك موقف يرى أن ما قام به الرئيس قيس سعيد بتغيير الطريق هو تصرف محمود ومطلوب حتى نخرج عن العادات البالية التي كرستها دولة الاستقلال وتدعمت مع نظام بن علي وهي إنفاق أموال طائلة في مناسبة معينة لتزيين الشوارع وتهيئة الطرقات التي سوف يمر منها موكب الرئيس في حين أن حال الجهة او المنطقة التي سوف يمر منها تعاني الكثير من المشاكل وتعرف متاعب جمة وهي صورة سيئة وبالية للعمل السياسي جاء قيس سعيد ليقطع معها فحسب أصحاب هذا الموقف المساند لما قام به قيس سعيد فإن الرئيس كان وفيا لفكره السياسي ولأدائه القائم على التواصل المباشر مع الشعب والاستماع الى مشاكل المواطنين والتعرف عن قرب الى أحوال الناس وهذا يعني أننا اليوم أمام رئيس مختلف في تفكيره وأدائه عن باقي الرؤساء الذين يلتزمون بالبرتوكولات ويتقيدون بالتعليمات الأمنية . نحن اليوم أمام ممارسة للحكم مختلفة لم نتعود عليها لذلك فإن ما يقوم به قيس سعيد يحتاج إلى وقت حتى يتعود عليه الجمهور ويستسيغه.
المشكلة التي حصلت مع هذه الزيارة التي غير فيها الرئيس قيس سعيد مسارها إلى مدينة بنزرت بدعوى الاستماع إلى هموم المواطنين والإطلاع عن كثب على مشاكلهم الحقيقية ومن دون التعويل على التقارير التي ترفع له عن وضع المدينة وحالها قد يفهم منها أنها عمل شعبوي يندرج ضمن الفعل الشعبوي الذي يوهم الناس بكون صاحبه مهتم بمشاغل الشعب وقريب من همومه وملتصق بحاجياته في حين أن مثل هذه المناسبات تبقى مجرد لقاءات عابرة محدودة لا ترتقي إلى تلبية أحلام الناس وطموحات الأفراد وهي صورة رافقت تقريبا كل خروج إعلامي للرئيس الذي ما فتئى يخبر الشعب بأنه مطلع على كل شيء وعالم بكل ما يحاك للبلاد ويدور في الغرف المغلقة وهو على بينة من أن الجميع لا يهمهم خدمة البلاد والوطن وإلى غير ذلك من الخطابات التي تجعل الرئيس دوما في صف الشعب ليقف الأمر عند هذا الحد وهو حد المواظبة على التوجيه النظري من دون اتخاذ قرارات عملية وحد الاكتفاء بتقدير الرأي وإعطاء النصيحة لا غير من دون أن يرى الناس بعد كل هذه الخطب إجراءات ملموسة تغير من واقعهم وحالهم فما قيمة أن يغير الرئيس مسار زيارته للتعرف على حقيقة وضع الناس إذا لم تصاحبها اجراءات عملية ومباشرة .. ما قيمة أن يخرج الرئيس في كل مرة يخاطب الناس بخطاب فيه تنديد بالواقع وتحميل المسؤولية لأطراف لا نعرفها من دون أن يصاحب كل هذا الكلام قرارات لتغيير هذا الواقع ؟ لكل هذه الأسئلة وهذا الهاجس الذي بدأ الشعور به يتسع فإن من أطلق ليلة زيارة الرئيس إلى مدينة بنزرت حملة " بدل الثنية " هم أنفسهم من اطلقوا بعد هذه الزيارة حملة
"ويني القرارات يا سيادة الرئيس ؟ "
ما غاب عن الفهم في حملة " بدل الثنية " أن القصد من وراء استعمال هذا المصطلح ليس المعنى المادي المباشر وهو تغيير مسار الزيارة وأخذ طريق أخرى مؤدية إلى مدينة بنزرت وإنما القصد الحقيقي الذي أراد إبلاغه هؤلاء النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي هو مطالبة الرئيس بتغيير طريقة التفكير وتغيير منهجه للحكم الذي يسير عليه وتغيير طبيعة سلوكه في ممارسة السلطة وفي تواصله مع الناس والذي يكتفي في كل مرة بمجرد الكلام والحديث والتنديد لا غير في حين أن المطلوب هو أن يرافق كل هذا الكلام الذي يصدر عن الرئيس قرارات عملية مفيدة لذلك كانت حملة بدل الثنية ليست من أجل أن يغير قيس سعيد مسار زيارته إلى مدينة بنزرت كما فهم وإنما المعنى العميق لهذا الشعار هو أن يغير قيس سعيد أسلوبه في الحكم فلا يكتفي بالكلام والحديث فقط لذلك خاطبه أنصاره بعد الزيارة إلى مدينة بنزرت برفع شعار آخر " ويني القرارات يا سيادة الرئيس؟