نوفل سلامة يكتب: تنقيح المرسوم 116 المتعلق بهيئة الاتصال السمعي البصري: أين الخلل وأين المشكل ؟

21 أكتوبر 2020  (13:40) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة

احتد التوتر في الآونة الأخيرة بين الترويكا الجديدة المتحالفة مع رئيس الحكومة هشام المشيشي والمتكونة من حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة و جانب من مكونات المجتمع المدني والعديد من النواب المنتمين إلى أحزاب المعارضة داخل البرلمان ونقابات الإعلام وذلك على خلفية إعلان مكتب مجلس نواب الشعب عقد جلسة عامة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر الجاري للنظر في المشروع المقدم من طرف إئتلاف الكرامة والرامي إلى إدخال تعديل جزئي على مرسوم 116 المتعلق بتنظيم قطاع الاعلام ويخص الفصل 7 من المرسوم الحالي المتعلق بتركيبة هيئة الاتصال السمعي البصري في اتجاه جعل رئيس الهيئة ونائبه من خارج قطاع الإعلام ويقترح التعديل أن يكون إما قاضيا عدليا أو قاضيا إداريا أو محاميا والفصل 17 الذي يرمي إلى التخلي عن إجراء الرخصة المسبقة لأحداث القنوات التلفزية والإذاعية والفضائية وتعويضها بكراس شروط والتزامات مهنية تخضع لسلطة القانون وللرقابة البعدية.
فأين الخلل في مقترح التعديل ؟ وهل هناك مشكل فيما اقترح من تنقيح لبعض فصول المرسوم عدد 116 المنظم للهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري ؟ ولماذا يجد مشروع التنقيح كل هذا الرفض إلى الحد الذي وصل فيه الأمر إلى أن قررت النقابة الفنية للصحافيين اتخاذ خطوة اعتبرت جريئة وسابقة في مجالها وهي مقاطعة أنشطة ائتلاف الكرامة من كل تغطية إعلامية ؟ وحتى نفهم هذه المعركة حول المشروع المقدم من طرف ائتلاف الكرامة لتنقيح المرسوم 116 فسوف نحاول عرض حجج كل جهة ومبررات المساندين والرافضين للتنقيح.
يذهب من كان وراء هذه المبادرة التشريعية لتنظيم القطاع السمعي البصري إلى أن القنوات التلفزية الموجودة حاليا هي محتكرة من طرف بعض المؤسسات الاعلامية التي تتولى توجيه الرأي العام وصناعة الذائقة الفنية والجمالية وتحدد الخيارات المجتمعية من وراء نوعية معينة من المنتوج الفني الذي أثر سلبا على طبيعة المجتمع ونوعية عيشه وهي تمنع أي دخول للمجال الإعلامي لا يكون صاحبه من دائرتهم ولا ينتمي إلى أيديولوجيتهم هذا فضلا إلى أن تحرير قطاع الإعلام والتخلي عن نظام الاجازة وتعويضه بنظام التصريح في منح الرخص من شأنه أن ينوع المشهد الاعلامي ويفتح المجال إلى تأسيس نوعية من الإعلام مختلفة عن الاعلام السائد ويخول لأصحاب المال أن يستثمروا في قطاع الإعلام بما يعود بالنفع على الكثير من أصحاب المهنة الذي يعيش الكثير منهم في وضع البطالة القسرية بعد أن تخلت عنهم جل القنوات والإذاعات بعد مرحلة حكم الترويكا حيث تم استغلالهم وتوظيفهم في معركة سياسية قذرة لإسقاط حكم الترويكا وهذا يعني أن التنقيحات الجديدة من شأنها أن تضمن أكثر منافسة بين أصحاب المهنة في اتجاه إرساء معايير الجودة والإفادة وخدمة الصالح العام فتوفر أكثر قنوات وإذاعات يضمن مواقع عمل قارة للكثير من الصحفيين وبضمانات واضحة.
كما يعتبر أصحاب هذا التوجه الجديد في تنظيم الإعلام أن عدم التخلي عن التراخيص المسبقة والمحافظة على الرخصة القبلية يجعل الإعلام تحت سطوة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري وتحت سطوة السياسيين وأصحاب المشاريع الذين يتدخلون في الإعلام بالإشهار والتمويل في حين أن منظومة كراس الشروط تجعل الإعلام أكثر استقلالية و تحررا تجاه هذا الإكراه . وفي الأخير فإن حرية الإعلام لا معنى لها في ظل رقابة قبلية وتراخيص مسبقة تتحكم فيها هيئة تخضع إلى الولاء السياسي لبعض السياسيين .
تجاه هذه المبررات التي يقدمها أصحاب التنقيح ترى الجماعة التي ترفض تحرير قطاع الإعلام بنوعيه السمعي والبصري بالصيغة التي قدمها مشروع ائتلاف الكرامة أن هذه المبادرة التشريعية هي خطوة خطيرة في اتجاه إدخال الفوضى في القطاع وفتح الباب أمام المال الفاسد والمشبوه لمزيد التغلغل في المشهد السمعي البصري وإفساد الحياة العامة فضلا إلى كون التعديلات فيها تهديد للمسار الديمقراطي بعد أن يتم ضرب الدستور عرض الحائط في عدم الاحترام لأدنى المعايير المعمول بها وهذا طبعا لا يعني أن الجميع راض على مضمون المرسوم الحالي ولكن ما كان مطلوبا هو سن قانون جديد لا مجرد تعديلات على المقاس تخدم أصحاب قنوات بعينها لا تتوفر على الترخيص القانوني لمزاولة العمل التلفزي أو الإذاعي .
هذه عموما حجج وتبريرات الفريقين المتصارعين وهي حجج يقول عنها الكثير من المراقبين بأنها معقولة ويصعب ردها لكون كل جهة لها زاوية نظرها التي تدافع عنها غير أن المهم فيما يحدث اليوم من خلاف حاد حول مسألة تنظيم قطاع الإعلام السمعي والبصري هو أنه رغم ما يرى فيه البعض من نقاش في غير محله ولا توفيته لكون البلاد تنتظرها استحقاقات أهم من إصلاح الإعلام إلا أن هذه المبادرة التشريعية قد تفتح مجالا للنقاش والحوار حول مشاكل قطاع الإعلام والصعوبات التي يعيشها أصحاب المهنة وفرصة لمزيد التدقيق في هذا المشروع في اتجاه إرساء قانون جديد يحقق ما يرنو إليه أصحاب المهنة و إعلام حر نزيه ومستقل غير خاضع لأي جهة وفي خدمة مصالح الشعب .
ما يمكن قوله هو أن حقيقة الصراع اليوم في تونس هو صراع فيمن من يتحكم في الإعلام وصراع حول من يتحكم في المعلومة لقناعة راسخة أن من يملك الإعلام يكون بإمكانه أن يتحكم في كل شيء فإذا كانت القناعة في العالم القديم في زمن جمهورية قرطاج وإمبراطورية روما أن من يسيطر على البحر فإنه يمتلك العالم فإن القناعة في الزمن الراهن أن من يسيطر على الفضاء ويتحكم في المعلومة فإنه يمتلك العالم ويتحكم في كل شيء ويكون بمقدوره أن يحكم في كنف الهدوء.