نوفل سلامة يكتب: ثقافة الإفلات من العقاب وراء تمدد الفساد في تونس

21 نوفمبر 2020  (17:11) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة
كل ملفات الفساد التي افتضح أمرها وطفحت رائحتها بقي الكثير منها دون متابعة ولا نعلم عن مآله شيئا ويبقى جزءا منها خارج دائرة العقاب وتطبيق القانون، ومن هذه الملفات التي لا نعلم عنها شيئا ملف صفقة «البنج» الفاسد الذي تعهد به القضاء ولكن لا نعلم عن مآله شيئا وملف التلاعب بمخزون الأدوية الذي يتم تهريب جزء منه إلى بلدان الجوار وجزء آخر يبقى دون توزيع حتى يفسد وتنتهي صلاحيته ولا يصل إلى المستشفيات إلا الجزء القليل مما يجعل المؤسسات الصحية العمومية تعيش أوضاعا صعبة ومتاعب جمة في تقديم الخدمات الضرورية للناس، مما يجعل المستفيد الوحيد من هذه الحالة هي المصحات الخاصة التي يضطر المواطن إلى الذهاب إليها للحصول على خدمات أفضل مقابل دفع معاليم مشطة.
ومنها ملف توريد القمح المسرطن الذي شكل فضيحة العام الماضي بعد أن تعرض من كشف عن هذا الملف إلى المتابعة القضائية.. ومنها ملف فضيحة التخلي عن الأكياس البلاستيكية التي كان يتحصل عليها المواطن في الفضاءات التجارية الكبرى بالمجان ليتم استبدالها تحت غطاء حماية البيئة ومحاربة التلوث بأكياس أخرى أصبحت تباع للمواطن يتم توريدها بالعملة الصعبة من وراء صفقة مشبوهة وراءها جهات استفادت من إدخال الأكياس الأجنبية .. ومنها ملف صفقة الحليب المورد والبطاطة الموردة والحال أن البلاد تعرف فائضا في إنتاج الحليب و فائضا آخر في زراعة البطاطا ومع ذلك تجبر الدولة أمام ضغط لوبيات الفساد النافذة إلى إعطاء تراخيص قانونية لجهات معينة لجلب السلع من الخارج وتوريدها بالعملة الصعبة .. وملف الحافلات المستعملة التي تم شراؤها من خردة فرنسا وهي حافلات تم التخلي عنها ليتم بيعها إلينا في صفقة بقيت إلى اليوم مجهولة ولا نعلم عنها شيئا..
ومنها صفقات توريد الملابس المستعملة " الفريب " من فرنسا وهي ملابس يتم التبرع بها إلى الجمعيات الخيرية هناك ولما كانت هذه الأخيرة في حاجة إلى المال أكثر من حاجتها إلى الملابس فقد تم تصديرها إلى بلادنا لتغرق أسواقنا الشعبية بأطنان من الملابس البالية منتهية الصلوحية وراءها هي الأخرى شبكة من النافذين في التجارة الموازية مرتبطين بشبكة من العلاقات الموسعة تصل إلى أشخاص في سلطة القرار وفي مجلس نواب الشعب وهذا الملف يقول عنه العارفون أن كل من يقترب منه يحترق في إشارة إلى خطورة هذا الملف الذي بقي دون متابعة ..
و آخر هذه الملفات الفاسدة وليس آخرها لأن قدرنا أن يظهر عندنا في كل يوم فساد جديد ملف النفايات المنزلية التي تم توريدها من إيطاليا في حاويات بلغ عددها 213 حاوية تم إنزالها في ميناء سوسة في انتظار تفريغها في شاحنات تعمل في قطاع المناولة ليتم توزيعها في أماكن مجهولة وهي نفايات تم إدخالها للبلاد على أنها مكونة من نفايات بلاستيكية القابلة للرسكلة ليتضح فيما بعد أنها زبالة ونفايات منزلية غير قابلة للرسكلة وإعادة الاستعمال وهذا الملف هو من أخطر الملفات لارتباطه بالأمن القومي وبحق المواطن في الحياة والعيش في مناخ سليم وبيئة سليمة وهو ملف يطرح أكثر من سؤال حول الرخصة الممنوحة لهذه الشركة… وأسئلة أخرى حول حقيقة من يقف وراء هذه الكارثة البيئية وكيف وصلت إلى ميناء سوسة من دون التعرف على حقيقة ما تحتويه الحاويات ومن سمح لها بالنزول في الميناء من دون التثبت من مضمونها مما يجعل من الشكوك تزداد حول عملية تحايل كبرى تعرضت لها الدولة واتهامات موجهة إلى جهات رسمية في الدولة من وزارة التجارة ووكالة حماية المحيط والديوانة ووزارة البيئة لمعرفة كيف أمكن لهذه الشركة أن تواصل نشاطها كل هذه السنوات في إدخال الزبالة إلى البلاد؟
هذه كلها ملفات خطيرة وهناك ملفات أخرى لم نذكرها لا تقل خطورة عنها وتهديدا للبلاد وهي قضايا مخيفة تعطي صورة دقيقة عن حالة الانفلات التي وصلت إليها البلاد وحجم الفساد الذي بات ينخر الوطن ولكن المقلق في هذا الموضوع ليس الحديث عن اتساع دائرة الفساد وتمدد انشطته التي لم تترك ميدانا إلا واقتحمته حتى تجرأ البعض وتحدث عن فساد في الدولة وهياكلها ومؤسساتها وفساد آخر محمي من الدولة وإنما المقلق هو أن لا نرى محاسبة لمن يقف وراء هذه الملفات الخطيرة ونجد من يفلت من العقاب بعد انكشاف أمره ونجد التبريرات التي تخول للجناة أن يسقط بحقهم التتبع…
الخطير اليوم في ملف الفساد في الثقافة الجديدة التي بدأت تظهر وهي ثقافة تقوم على التيقن من الإفلات من العقاب مما جعل الفاسدين لا يخشون المحاسبة طالما وأننا لم نر من يقف وراء هذا الكم الهائل من ملفات الفساد يحاسب أو تتم متابعته قضائيا.
القلق الكبير اليوم أن الفساد في تونس قد تحول إلى ثقافة وإلى واقع وإلى قناعة وإلى تعايش وتحول إلى سلوك مقبول واعتيادي طالما وأنه محمي بثقافة أخرى هي ثقافة الإفلات من القانون ومن المحاسبة لقد أصبح اليوم لدينا مجال واسع لارتكاب الفساد ولدينا ثقافة جديدة وهي افعل ما بدا لك وتأكد أنك ناج من تطبيق القانون.