‫نوفل سلامة يكتب لكم: الاحتجاجات في الجهات بين شرعية المطالب والخوف من تفكك الدولة ‬

27 نوفمبر 2020  (12:35) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة ‬
‫تعيش البلاد هذه الأيام على وقع احتجاجات إجتماعية في الكثير من جهات البلاد المهمشة يطالب أصحابها بتوفير الحد الأدنى من مواطن شغل للكثير من الشباب العاطل عن العمل والذي طالت بطالته ولم يجد فرصا متاحة للتشغيل بعد أن تخلفت الدولة عن القيام بدورها المطلوب في احتضان الفئات الهشة والمحرومة وبعد أن انعدم الحل الجماعي الذي لم يعد متوفرا وتمدد هذا الحراك الاجتماعي الذي انطلق من اعتصام الكامور بولاية تطاوين و دام أكثر من ثلاث سنوات نتج عنه تعطيل في انتاج الفسفاط الذي تسبب في خسارة مادية كبرى للدولة واتسعت موجة الرفض والغضب والاحتقان لتصل إلى مدن و ولايات أخرى عرفت هي الأخرى تخلف التنمية فيها وغياب الدولة وعجزها في تحسين ظروف المعيشة للمواطنين بمختلف فئاتهم وأطيافهم من الذين نفذ صبرهم من وعود الحكومات المتعاقبة. ‬
‫فبعد ولاية تطاوين ها أن ولاية قفصة تشهد تحركات احتجاجية ولحقت بها ولاية قابس التي عرفت هي الأخرى موجة كبيرة من الغضب والاحتقان وتبعت ولاية باجة هذا التململ الشعبي الذي تعيش على وقعه البلاد وهو مرشح إلى التوسع أكثر ليصل إلى مدن وولايات أخرى والسؤال اليوم هل ما يحصل في مختلف الجهات من حراك اجتماعي مبرر ويكتسي شرعية أم أن ما تشهده الكثير من الولايات من احتقان واحتجاج هو مهدد لوحدة الدولة ومنذر بتفككها؟‬
‫في الحقيقة فإنه بقطع النظر عن وجاهة المقاربة التحليلية التي ترى خطورة فيما يطالب به أهالي الجهات الداخلية من نصيب من ثروة جهاتهم التي لم يستفيدوا منها شيئا لتوظيفها في مشاريع تنموية تستفيد منها الجهة وتعود بالنفع على سكانها بعد أن تخلفت الدولة وعجزت كل الحكومات المتعاقبة على تحقيق مطالب الأهالي على اعتبار أن الثروات الطبيعية أو خصوصيات الجهات هي مقدرات وثروات يعود نفعها إلى المجموعة الوطنية وهي ملك عام يستفيد منه الجميع في إطار الدولة الوطنية الواحدة وبناء على سياسة تنموية عادلة ومنصفة، وإن عملية تعطيل آلة الانتاج في الجهات في مقابل توفير التنمية وتحقيق الوعود السياسية المتكررة هي توجه خطير نتيجته تفكك الدولة وفقدان وحدتها وانسجامها وتماسكها، رغم معقولية هذا الطرح الذي يمكن أن نتفهمه في الحفاظ على مفهوم الدولة إلا أن ما يحدث اليوم في مختلف الجهات هو عمل مشروع ويكتسي شرعية تاريخية وواقعية على اعتبار وأن جهات الهامش والكثير من المناطق الداخلية في العمق التونسي تفتقد الكثير من مقومات العيش الكريم واللائق بكرامة الآدمي فالكثير من قرى ومناطق الجهات الداخلية هي مناطق منسية تخلت عنها دولة الاستقلال وأهملتها كل الحكومات المتعاقبة وفاتها قطار التنمية الذي وصل إلى مناطق محددة ولم يصلها في عملية إقصاء تاريخية لأسباب معلومة والكثير من الجهات في العمق التونسي بقى الوضع الاجتماعي لأفرادها كما كان في زمن الاستعمار والاحتلال الفرنسي لم يتغير منه شيئا بما يعني أن قطار الاستقلال لم يصلها بعد رغم مرور ما يزيد عن 70 سنة من بناء الدولة الوطنية وهذه الجهات وهذه المناطق وهذه الولايات التي لم تستفد من السياسات التنموية شيئا ولم تجلب لها الدولة أية إضافات الكثير منها يتوفر على مقدرات طبيعية وثورات باطنية ما يجعل منها مناطق وجهات تعيش وضعا أفضل و لا تعرف الفقر والتهميش والبطالة، ومع ذلك فهى تعيش الكثير من الأوجاع والإحساس بالإقصاء وكان حلمها كبيرا في أن تحسن الثورة من أحوالها وأن يغيّر الانتقال الديمقراطي من وضعها بعد رحيل النظام السياسي القديم الذي عمق تهميشها وخصاصتها غير أن هذا الحلم لم يتحقق رغم مضي 10 سنوات على قيام الثورة.‬
‫المشكل الذي لم يفهمه من يعارض هذه الاحتجاجات أن المواطن في هذه الجهات سئم وعود السياسيين التي لن تتحقق ومل تسويف الأحزاب السياسية وطال انتظاره لأكثر من 70 سنة والدولة تعده بتحسين حاله وإيصال التنمية له .. اليوم هؤلاء الأفراد في الداخل التونسي لم يعد بمقدورهم مواصلة الحلم الجماعي بعد أن تم خداعهم لعقود من الزمن فماذا ننتظر من إنسان محروم ومهمش ودولته لا تفعل له شيئا؟ وماذا تنتظر من شاب في العمق المنسي وهو يشعر بأن جهته معاقبة من طرف دولة الاستقلال ومع ذلك صبر عليها كثيرا على أمل أن تلتفت له سياساتها التنموية التي لم تصله؟‬
‫ فحينما تغيب الدولة وتتخلى عن دورها الاجتماعي وعن دورها في تنمية هذه الجهات وتتخلى عن مهمتها في توزيع خيرات البلاد بالتساوي بين كل الجهات فحين يحصل كل ذلك فلا لوم على المواطن في هذه المناطق إن هو طالب بحقه في العيش الكريم وحقه في التشغيل والحصول على عمل يحفظ له كرامته وحقه في الاستفادة من نصيب من ثورات جهته وبجزء من خيراتها. ‬
‫فحينما يتخلف الحل الجماعي الذي توفره الدولة فإن الحل الفردي يتحول إلى الملاذ لهذا المواطن المهمش ومن الحلول الفردية اللجوء إلى الاحتجاجات وتعطيل آلة الانتاج والمواصلة في الحراك الاجتماعي.‬
‫قيمة وأهمية ما يحصل اليوم في جهاتنا الداخلية في الرسالة الواضحة التي توجه للدولة التي لم يعد أمامها إلا خيارا واحدا فإما أن تستفيق وتستعيد زمان الأمور وتعيد الثقة بينها وبين الشعب وتظهر رغبة صادقة في العناية بهذه المناطق وإلا فإن الجهات سوف تتولى إدارة شؤونها بمفردها ولسان الحال يقول إذا عجزت الدولة عن القيام بدورها ومهامها فإن الشعب في الجهات الداخلية سوف يتولى إدارة شؤونه بنفسه. هذه ليست شعبوية وإنما هي نظرة واقعية لتحقيق مطالب مشروعة طال زمانها ولم تعد تنتظر أكثر. ‬