في حوار مع المفكر حميدة النيفر: بورقيبة لم يكن يعادي الإسلام ولكنه كان يرفض خروج الدين عن سطوة الدولة

30 نوفمبر 2020  (13:08) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة

في برنامجه الذي يبث كل يوم أحد على أمواج إذاعة " موزاييك أف أم " و الذي يستضيف فيه الشخصيات الفكرية والسياسية المؤثرة والتي تركت بصمتها في ماضي وحاضر الفكر والمعرفة والثقافة ، استضاف الإعلامي إلياس الغربي المفكر الإسلامي المعروف حميدة النيفر في حصة يوم الأحد 29 نوفمبر الجاري وهو شخصية كانت شاهدة على اللبنات الأولى لصعود التيار الإسلامي في بداية السبعينات من القرن الماضي وكان أحد المؤسسين للجماعة الإسلامية في زمن خفت فيه صوت الدين وعلا فيه الفكر العروبي وهيمنت فيه النظرية الماركسية و اكتسحت الايدولوجيا العلمانية كل المشهد السياسي والمعرفي كما روج لها فكر عصر الأنوار وفكر الحداثة الغربية.

لقاء أول مع الغنوشي

في هذا الحوار تحدث الأستاذ حميدة النيفر أحد المؤسسين لتيار اليسار الإسلامي أو ما سمي بالإسلاميين التقدميين عن الظروف التي جعلته ينتقل من الفكر القومي إلى الفكر الإسلامي وكيف إلتقى بالشيخ راشد الغنوشي لتبدأ معه رحلة لم تدم طويلا حيث كان اللقاء الأول في بداية الستينات من القرن الماضي في سوريا أين جمعهما الانتماء العروبي والإيديولوجيا القومية فقد كان في شبابه شأنه شأن راشد الغنوشي ينتمي إلى التيار القومي الناصري غير أن هذا الأخير قد ترك الفكر القومي بعد أن تعرف على جماعة الإخوان المسلمين .. أما اللقاء الثاني فقد كان في باريس لما ذهب إليها لاستكمال دراسته بجامعة «السوربون» ووصل إليها الغنوشي هو الآخر لما اضطر إلى مغادرة سوريا وفي باريس بدأ يتشكل للرجلين وعي آخر وفكر جديد وبدأ الاثنان يطرحان الأسئلة القلقة التي يقول عنها الأستاذ النيفر أنه لم يكن يملك لها أجوبة حيث شكلت هزيمة العرب في حرب 1967 بداية مساءلة للفكر القومي وبداية مراجعة المقولات القومية البعثية والناصرية الذي اتضح قصورها وعدم قدرتها على الصمود أمام التحديات التي واجهتها الأمة العربية وزادت أحداث ربيع 1968 التي حدثت في فرنسا وما حملته معها من رياح الحرية والتمرد ورغبة في التغيير من طرح المزيد من القلق الفكري وظهر سؤال هل مازال الفكر الناصري مفيدا ؟ وهل ما زلنا في حاجة إلى القومية للخروج من الأزمة العربية ؟ فكان الجواب في العودة إلى الهوية وطرحنا سؤال هل نمتلك في هويتنا وخصوصيتنا مكامن الخروج من المأزق وهل نتوفر في هويتنا على عناصر قوة تمكننا من التخلص من العائق الذي تسبب في هزيمتنا ؟
أمام ما يحصل في الوطن العربي وما يعرفه العالم بعد احتجاجات ماي 1968 من القرن الماضي كنا نطرح أسئلة أكثر من البحث عن أجوبة لها وكنا نناقش فكرة الثورة الصينية وتداعيات أحداث باريس وقضية البعد الواحد للإنسان وغير ذلك من القضايا لكن كل هذا المخاض المعرفي انتهى إلى التفكير في تأسيس جماعة إسلامية والتنظم حول الدين للوصول إلى الخلاص و التغلب على الهزيمة والانتكاسة…

3 أفكار أساسية

كان وراء إنشاء تيار إسلامي في بداية السبعينات ثلاثة أفكار أساسية : الأول أنه لدينا الحق في التعبير عن مشاغل البلاد بطريقة مختلفة عن غيرنا وعما تطرحه السلطة . الفكرة الثانية أننا مواطنون ومن حقنا الاحتماء بالهوية ومن حقنا المطالبة باستعادة البعد الهووي في المشروع الوطني بعد أن تم استبعاده و إقصاؤه. الفكرة الثالثة كان وراءها سؤال هل يمكن أن نحقق كل هذه المطالب من خارج التنظم ومن خلال العمل الفردي ؟ ومن هنا جاءت ضرورة التأسيس والتنظيم .. لم نكن في البداية نطمح إلى الوصول إلى السلطة وقضية السلطة لم تكن مطروحة ولم تكن هدف الجماعة الإسلامية في بداياتها فكل ما كانت تقوم به هو بعيد عن طموح الحكم والسياسة لقد كان كل المطمح هو أن يكون لنا موقع قدم في المشهد وصوت يسمع وينتبه إليه أما الطموح السياسي قد تشكل فيما بعد بداية من سنة 1981 .
تحدث عن الرئيس الحبيب بورقيبة وعن علاقته بالحركة الإسلامية وكيفية تعامله مع الإسلاميين وتناول بتفضيل موقفه من الإسلام فبدأ بأن فند المقولة التي يروجها اليسار الماركسي من أن بورقيبة قد استعمل الإسلاميين وشجع ظهورهم لمحاربة اليسار الماركسي والفكر الشيوعي الذي عرف تمددا في بداية الاستقلال وقد كانت له نظرة للإسلام شكلت وحددت علاقته بالإسلاميين تقوم على معاداته لهم ليس من منطق كره الدين أو محاربة الإسلام وإنما من منظور كون الإسلاميين وظهورهم في تنظيم ديني قد قدموا تصورا وصورة من خارج الدولة ورؤيتها للدين و التدين مختلفة عما اشتغل عليه بورقيبة في بناء الدولة . فبورقيبة لم يكن يعادي الإسلام كما لم يكن ينكر أن يكون للدين دور متقدم في الحياة وإنما الرجل كانت له نظرة للدين الإسلامي تقوم على فكرة الوظيفة والتوظيف لصالح المشروع الوطني لقد كان له فهم للإسلام يجعل منه وظيفة وأداة من أدوات الدولة و بالتالي لا يجب أن يخرج الدين عن سطوة الدولة بما يعني أن بورقيبة كان يستعمل الإسلام للحفاظ على قوة الدولة ودوام السلطة لذلك احتكر الفهم والتفسير ولم يقبل من أحد أن يزاحمه في هذه المهمة أو أن يقدم خطابا مختلفا عما تقدمه الدولة فبورقيبة كان يدرك أن الاسلام يمتلك الكثير من عناصر القوة التي يحتاجها لذلك كان يخشى أن يخرج الإسلام والدين عن سطوة الدولة لقد كان له اعتقاد بأن سطوة الدولة على الإسلام تضفي شرعية كبرى على الدولة فهاجس بورقيبة لم يكن الدين وإنما كيف يحافظ على قوة الدولة وحينما نقول بقاء الدولة فإننا نعني بقاء الزعيم قائدا أوحدا للدولة وهذا ما يفسر استبعاده لكل خصومه فكلما شعر بأن سطوته مهددة إلا واستعمل الاقصاء من أجل الحفاظ عليها والإسلاميون في بداية تشكلهم وحتى بعد تحولهم إلى تيار قوي في الجامعة وانتقالهم من حركة دعوية في إطار الجماعة الاسلامية إلى تيار سياسي مع تأسيس حركة الاتجاه الاسلامي قد شكلوا الهاجس الذي كان يخشاه بورقيبة في أن يظهر من يفسر الاسلام غيره أو يقدم فهما مختلفا ومغايرا لما يطرحه هو لقد كان يرفض أن يشاركه غيره في تأويل الإسلام وكان يريد أن يحتكر فهم الدين ولم يكن يقبل بمن يفسره من خارج إطار الدولة ومؤسساتها وهذا هو جوهر الخلاف بين بورقيبة والإسلاميين وهو ما يفسر كذلك الاضطهاد الذي مورس على الإسلاميين في عهده.

خصومة مع بورقيبة

بورقيبة كان ينطلق في معركته مع الإسلاميين وخصومته مع من يريد افتكاك مركزية التفكير في الإسلام منه وإضعاف سطوة الدولة في احتكار التكلم بالإسلام من مشروع فكري ومجتمعي من دون أن يكون الهاجس الأمني هو الحاسم في هذه الصراع وكان يرفض ولا يقبل من الإسلاميين ومن غيرهم أن يخرجوا عن هذا المشروع أي كان يرفض أن يفكر الإسلاميون في الإسلام من خارج مشروعه التحديثي القائم على التأويل الواحد والفهم الأوحد للدين الإسلامي ولم يكن يقبل بمن يعمل على فك ارتباط الدولة بالدين لذلك كان الإسلام عنصرا محددا في البرنامج السياسي للدولة في عهد بورقيبة وقد استمر هذا التفكير في زمن حكم بن علي الذي واصل في نفس فكرة الإبقاء على سطوة الدولة على الدين وعدم قبول بمن يفكر في الإسلام من خارجها لكن مع فارق كبير وهو أن بن علي لم يكن لديه مشروع فكري أو مجتمعي ودخل في معركة مع الإسلاميين من غير رؤية ولا فكرة وهذا ما يفسر أن الاضطهاد كان سمة العلاقة بين بورقيبة والإسلاميين وأن الإقصاء والبتر كان النهج الذي حكم العلاقة بين بن علي والإسلاميين وهذا يا يفسر كذلك طغيان الجانب الأمني على المعالجة الفكرية الحوارية . لقد واصلت الدولة في عهده في نفس فكرة الرئيس بورقيبة وهي رفض أي محاولة للتفكير في الدين من خارج جهاز الحكم ولكن بطريقة أعنف وأشرس وفق نظرية كانت تعتقد أنه من الممكن استئصال الظاهرة الدينية والتخلص من الظاهرة الإسلامية ومع بداية التسعينات من القرن الماضي ظهرت مقولة انخرط فيها الجميع وهي امكانية اجتثاث الاسلاميين وفي هذا الإطار تتنزل كل المواجهات التي حصلت و في ظلها نفهم كل الأحداث التي رافقت عشرية سوداء من أسوأ مراحل تاريخ تونس المعاصر عرفت بسنوات الجمر…

مقاربة خاطئة

وبخصوص موقفه من حركات الإسلام السياسي وتجربة حكم الإسلاميين بعد الثورة قال حميدة النيفر أنه لا يحبذ هذا المصطلح لأن الإسلام بطبعه ومنذ نشأته الأولى كان يعرف التلازم الدائم بين الدين والسياسية وارتباط الإسلام بالشأن العام بالتالي فإن الإسلام بطبعه يهتم بالسياسة و الفرز اليوم ليس بين الاسلاميين والحداثيين أو أن الصراع المجدي هو بين الهوية والحداثة فهذه المقاربة خاطئة وإنما الفرز الحقيقي اليوم هو ذلك الذي ينبني على الخلفية الديمقراطية وحول الإسهام الأكثر في ترسيخ الديمقراطية نظام حكم ونظام حياة اليوم ليس مفيدا أن ننتصر للهوية من دون فعل واضح في دعم المسار الديمقراطي كما لم يعد ينفع من يتحدث عن العدالة الاجتماعية ونصرة الفقراء ولا نجد لفعله أثرا واضحا في نصرة الانتقال الديمقراطي . اليوم ما هو مطلوب من الجميع يمينا ويسارا إسلاميين وشيوعيين وقوميين هو أن نرى إسهامهم في تكريس الديمقراطية والحرية والتنمية على أرض الواقع .. اليوم الوضع غير مريح لأن السياسيين لم يدركوا بعد أن السياسة هي ثقافة وممارسة وفكر ديمقراطي قبل كل شيء.
اليوم لدينا مشكلة منهجية في التعامل مع منظومة الحقوق الكونية التي يجب أن تفهم في إطار الخصوصية أي أن ما يطرح في إطار الكونية ليس دوما مقبولا بالنظر إلى خصوصيتي فعلاقتي بالآخر يقوم على مبدأ التعدد والتنوع لا الاحتواء والذوبان فما يحصل كونيا عند الآخرين قد لا يصلح ضرورة لنا وكما ننقد التراث الإسلامي القديم ونقوم بتنقية ما يصلح لزماننا وما هو يفيد لعصرنا كذلك ننقد الفكر الكوني والقيم الإنسانية التي ليست بالضرورة كلها صالحة لجميع الشعوب وإلا فإنه لا معنى لخصوصية الإنسان في إطار التعدد والتنوع وما نشهده اليوم من عملية لتفتيت العائلة بدواعي الانتماء إلى القيم الكونية هو منهج مأخوذ عن الآخر بدون حوار وقد أدى هذا التبني إلى نتائج سلبية لذلك كنت دوما أدعو إلى الحوار والتعدد وعدم تغليب الأفكار بالقوة والإكراه وفي مسألة المساواة في الميراث وموقفي من المشروع الذي أثار جدلا كبيرا في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي فقد كنت قد طالبت بحوار يشارك فيه الجميع ولا يقصى منه أحدا وكنت أميل إلى فكرة تعايش النظامين وتلازم الرؤيتين أي الابقاء على منظومة المواريث كما جاء بها النص الديني مع إعطاء الحق لمن يريد المساواة أن يطبقها ولكن ما حصل أن من كان وراء المشروع أراد فرض رأيا واحدا وتثبيت رؤية وحلا واحدا لا غير من دون الالتفات إلى الامكانيات الأخرى وهو ما أدى إلى استبعاد قواعد المواريث كما نضمها الإسلام ويؤمن بها جانب كبير من الشعب عن المشروع فقضية المساواة في الميراث هي قضية جاءت في غير سياق الثورة وهي تطرح مشكل تعدد الأنظمة القانونية لا فرض رؤية واحدة خاصة وأن الواقع يفرض تعدد الحلول. إن المشكل أن هناك من لا يزال يعيش على فكرة الرأي الواحد ولم يستوعب بعد روح دستور 2014 الذي أسس على فكرة التعدد والتعايش مع الاختلاف.