نوفل سلامة يكتب لكم: الشعبوية ومخاطر الفوضى...ترامب مثالا

10 جانفي 2021  (13:49) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة
تميزت مرحلة ما بعد اندلاع ثورات الربيع العربي التي قامت بها الشعوب العربية للمطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية وتأسيس مجتمع أكثر عدالة اجتماعية ومساواة في الحقوق وأكثر احتراما للمواطن بتراجع المد الديمقراطي مع ظهور كتابات كثيرة في الغرب تنتقد الديمقراطية التمثيلية وتكشف جوانب من زيفها وخداعها تجسدت على أرض الواقع في ظهور تشكيلات سياسية بديلة عن منظومة الأحزاب مع ظهور الحركات الاجتماعية التي تنشط من خارج الأحزاب التقليدية ومن خارج النقابات العمالية ومن خارج جمعيات المجتمع المدني وهي حراك إجتماعي أصبح منذ سنوات يؤطر احتجاجات الجماهير ويعبر عن غضب فئات الشعب تجاه السياسات الحكومية وقد أفرز هذا التطور في الانتظام الجماهيري عودة تيار قديم إلى الظهور من جديد بعد الأزمة الحادة التي تمر بها الديمقراطية كأداة لتحقيق مطالب الشعوب وطموحات الأفراد في العيش برفاه . فما ميز العشرية الأخيرة سواء في العالم الغربي أو العالم العربي هو تراجع فكرة الديمقراطية التمثيلية القائمة على فكرة الأحزاب السياسية لصالح فكرة الديمقراطية المباشرة التي تقودها الشعبوية والتيار الشعبوي الذي تمكن من الوصول إلى الحكم على يد دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية وعلى يد زعامات يمينية متطرفة أخرى تمكنت أحزابها من إحراز تقدما في نيل ثقة الناس بخطابهم الشعبوي الذي يركز على الهموم الداخلية للشعوب.
لكن هذا التيار الشعبوي الذي تمكن من قلب المعادلة السياسية وقدر أن يرسم ملامح عالم جديد هو اليوم في بداية التشكل قد اتضح حدوده وبانت خطورته على السلم والأمن العالميين وخطورته على العيش المشترك والأهم من ذلك خطورته في هدم كل ما حققته البشرية على المستوى السياسي بعد مسيرة طويلة من المعاناة والصراعات حتى انتهت إلى ابتداع فكرة الديمقراطية بصفتها ثقافة وآلية لإدارة الصراعات بين الأفراد وإدارة الخلافات وتحقيق الانسجام والتكامل والعيش في إطار مجتمع موحد استعمال القوة وممارسة العنف الشرعي فيه ممنوح إلى جهاز الدولة لا غير وفق قواعد اتفق عليها الجميع وما حصل منذ أيام أمام الكونغرس الأمريكي من اقتحام لأنصار الرئيس دونلد ترامب المنتهية ولايته وممارستهم العنف المسلح ورفضهم نتائج الانتخابات الرئاسية التي أقرت بفوز جون بايدن وهزيمة ترامب هو دليل واضح على الخطورة الكبيرة التي تشكلها الشعبوية على الحياة الديمقراطية فهذا الفكر الذي نجد له صدى في بلادنا ينهل من الفكر الفوضوي والفكر العدمي وهو فكر لا يعترف بأي شيء غير نظرته ورؤيته للأمور وللأحداث والأخطر من كل ذلك أن الشعبوية متى وصلت إلى الحكم والسلطة فإنها توظف كل الآليات من أجل دوام بقائها وهي تعمل على تجميع السلطة في يدها ولا تقبل بتشريك أي جهة معها فغايتها ليست المجموعة الوطنية وإنما غايتها الوحيدة الاستحواذ والسيطرة على الحكم وهذا ما يفسر عدم قبول ترامب بالهزيمة في الانتخابات وتصريحه بأنه لن يسلم الحكم ولن يخرج من البيت الأبيض.
وهو نفس سلوك وتصرف الشعبوية عندنا حينما نشاهدها كيف تفسر القوانين وكيف تتعامل مع الدستور وتوظف فصوله لصالحها وكيف تجهد النفس في افتكاك صلاحيات ليست لها وكيف أن همها الوحيد هو الدخول في معارك يومية مع البرلمان والحكومة وفتح جهات صراع لا تفيد البلاد.
إن الشعبوية لا تنضبط لأي سلطة ولا تحترم أي تشريع ولا تحتكم لأي قانون إلا لسلطة الشارع وفرض الرأي بالقوة حتى وإن لزم الأمر هدم كامل الهيكل وتخريب كل شيء فالديمقراطية والأحزاب والدستور والانتخابات لا قيمة لها أمام مصلحة الفرد وطالما أن هذه الآليات وهذه الوسائل لا تضمن لها البقاء في الحكم والسلطة فإن الفوضى هي الحل للوصول إلى الخلاص الذي تبشر به الشعبوية.