نوفل سلامة يكتب لكم: حلم الثورة وصراع الأنانيات

15 جانفي 2021  (18:50) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة
يحتفي الشعب التونسي يوم 14 جانفي بمرور عشر سنوات من وقوع ثورته التي كانت منعرجا كبيرا في تاريخ البلاد السياسي وغيرت كثيرا من وجه العالم وبداخله ألم كبير من عدم تحقق أي شيء من وعودها وخاصة استحقاق مطلب الشغل والكرامة وتبني منوال تنمية جديد يحقق المساواة بين الجميع ويرسي نظاما اجتماعيا يحقق التوزيع العادل للخيرات بالتساوي ويحقق عدالة اجتماعية مفقودة اهدرتها دولة الاستقلال وكل الحكومات المتعاقبة.
يحتفي الشعب التونسي بثورته التي أطاحت بالنظام القديم وتخلصت من الحزب الذي أرجع البلاد مزرعته الخاصة يفعل بها ما يريد ومنسوب الثقة في الطبقة السياسية التي تحكم اليوم مفقود وإحساسه متزايد وكبير بالفشل والخيبة من امكانية تحسن الأوضاع إن لم نقل معدوما خاصة وأنه لا شيء ينبئ بأن البلاد سائرة في طريقها الصحيح من أجل استعادة الثقة واسترجاع وهج الثورة.
والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم هو كيف نفسر ما حصل للثورة التونسية من تحويل وجهتها وإفشالها؟ وكيف حصلت هذه الانعطافة التي تسببت في انكسارها وعجزها عن تحقيق مطالب من قام بها؟ وكيف نفهم هذه الردة التي حصلت والتي مكنت المنظومة القديمة من العودة بقوة لاسترجاع مواقعها؟
بقطع النظر عن الظروف الداخلية التي رافقت قيام الثورة والتي لم تخدم مسارها وجعلتها تتعثر وتتباطأ في تحقيق أحلام من قام بها وهي كلها أخطاء كثيرة حصلت ساهمت في إنتاج الفشل وعطلت إرساء واقع اجتماعي أفضل ومشهد سياسي مختلف ومغاير لما كان في زمن الاستبداد وهي أخطاء ارتكبها الجميع اتعبت كثيرا الشعب وأرهقت الطبقة السياسية وقدمت صورة سيئة عن المنظومة الحزبية التي تشكلت بعد الثورة والتي توصف اليوم بالفاشلة وغير الجديرة بالحكم لعدم كفاءتها.
وبقطع النظر عن الوضع الخارجي الإقليمي والعالمي والذي لم يكن هو الآخر مناسبا لمساعدة الثورة التونسية حتى تنجح وتحقق أهدافها وأحلام من قام بها وهي إكراهات خارجية ساهمت بقدر كبير في إفشال المسار الثوري وعطلت كثيرا استكمال مرحلة الانتقال الديمقراطي، بقطع النظر عن كل هذه الإحراجات وهذه الإكراهات التي يعرفها الجميع والتي ساهمت بقدر كبير في إفشال الثورة والتشويش عليها وإرباكها فإن العامل الرئيسي في نظرنا الذي عجل برسم هذا المشهد القاتم للثورة وجعلها في نظر الشعب سيئة هو سلوك السياسيين الذين تسلموا قيادتها وأوكلت إليهم مهمة إدارة مرحلتها الانتقالية وتصرف أبنائها الذين وثق فيهم الشعب في حمل البلاد إلى أفق أفضل من أفق النظام القديم.
مشكلة الثورة التونسية في أبنائها والقائمين عليها الذين لم يتخلصوا بعد من وهم مرحلة الاستبداد ولم يفهموا بعد بأن بن علي قد رحل وأن المرحلة الثورية تقتضي سلوكا وتصرفا مختلفين وتفرض ثقافة وفكرا مغايرين لكن الذي حصل أن الأحزاب التي كانت تعارض نظام الرئيس بن علي والتي ساهمت في الثورة أو واكبتها أو شاركت فيها أو تبنتها أو التحقت بها لم تقدر أن تتخلص من انانيتها والتجرد من طبائعها الحيوانية.
مشكلة الثورة التونسية أن الذي قادها لم يفهم أن الثورة لا تتحقق إلا إذا ترك كل طرف أنانيته جانبا وتخلص من استعلائه وأن الجديد لا يقوم بالقضاء على القديم فحسب وإنما يتحقق إذا تركنا جانبا جزءا من أنانيتنا ونظرتنا الأحادية للأشياء وأقررنا بنسبية أحكامنا ولم نؤله أفكارنا وتنازلنا قليلا من عليائنا.
مشكلة الثورة التونسية في الأحزاب الثورية التي لم تفهم أن قدرها أن تتعايش معا وأن تحكم معا وأن تلتفت إلى العدو القديم ولا تنسى أنه متربص وينتظر في وقوع العثرات .. ولم تفهم أن انكبابها على خلافاتها وصراعاتها لا يخدم إلا المنظومة القديمة ويخدم من يروّج لشعار نظام بن علي أفضل.. مشكلة الثورة التونسية تكمن في أن كل طيف سياسي متمسك بأنانيته ويحسب أن رأيه هو الوحيد الذي على صواب ويمتلك الحقيقة المطلقة وأن رأي غيره خطأ .. مشكل الثورة التونسية أن "الأناء" في الأحزاب السياسية طاغ جدا وهو متحكم في السلوك.
قديما قال الفيلسوف أفلاطون إن المدينة المثالية الفاضلة والعادلة هي تلك التي يحكمها ويديرها الفلاسفة والحكماء فهم وحدهم حسب ظنه القادرون على التجرد من طبائعهم الحيوانية ولكن ما نسيه أفلاطون ولم يحسب له حسابا أن كل الناس ليسوا فلاسفة وأن الفلاسفة بدورهم لهم أنانيتهم الفكرية والفلسفية وغرائزهم المعرفية وهذا يفضي الى أن معانقة الحقيقة النسبية والوصول إلى الوضع الطبيعي لمرحلة ما بعد الثورة لا يكون إلا بطريقة واحدة وهي أن يفهم الجميع أن المثال الثوري لا يتحقق إلا إذا اعترف الجميع بأن قدرهم أن يعملوا معا وأن يتعايشوا معا وأن يتجردوا من أنانيتهم، ومن وهم النقاوة التي يعتقدون فيها فتحكم الطبيعة الحيوانية في الأحزاب تجعل من أفرادها أشخاصا يعيشون داخل كهوف مغلقة وفيها يتولد الجشع ويصنع التناحر والاقتتال وتغليب المصلحة الظرفية الخاصة.
فهل تفهم أحزاب الثورة أنها حينما تتصارع من أجل انانيتها فإنها تخدم المنظومة القديمة وتحول وجهة الشعب نحوها؟ وهل تفهم هذه الأحزاب أنه لن يتحقق شيء من أهداف الثورة إلا إذا تصالحت وتركت جانبا خلافاتها القائمة على انانيتها المقيتة المدمرة؟ أملي أن يصل هذا الصوت إلى أحزابنا في البرلمان حتى تتدارك ما يمكن تداركه وتعيد منسوب ثقة الناس في الثورة.