محمد المحسن يكتب لكم: دور المثقف..في ظل "موسم" كورونا المرعب والمخيف

17 جانفي 2021  (18:47) صالون الصريح

كتب: محمد المحسن
إنْ كان فعل المثقفي العربي القديم منتميًا انتماءً عضويًا إلى حركة التاريخ الكبرى المتمثلة في إنتاج الحضارة والعلم،ابتداءً من المشروع النبوي المحمدي في مكة والمدينة،مرورًا بمثقفي بغداد،ودمشق،والقاهرة،والقيراون،ومراكش،وفاس،وقرطبة،وبجاية،وتلمسان وتيهرت،الذين ساهموا في حركة صعود تاريخ حضاري عالمي،ولا نبالغ إن قلنا أنهم تحكموا في حركة التاريخ الكوني باعتبارهم مثلوا حقبةً فاصلة بين الثقافة الإغريقية والثقافة الأوروبية،وعكس هذا المثقف المنتمي لشروط خاصة بوأته هذه المكانة الحضارية المرموقة،نجد المثقف العربي المعاصر ينتمي لشروط حضارية مغايرة،إذْ خرج إلى الوجود بعد دورة الموت الحضاري، وبعد ظلمة ظلماء من التراجع والانحطاط،وجد نفسه مستندًا على جدار متآكل،وقواعد مهترئة جعلت خياراته محدودة جدًا،إما أن يمانع ويعاند،وإما أن يعود إلى الماضي باحثًا عن نقطة ارتكاز يقف عليها ويتخذها منطلقًا في تبرير وجوده الحضاري،وإما أن يداري ويجاري فيصغي ويتعلم ويقلد،ويبشر بكينونة تاريخية وحضارية لم يعد يملك مصيرها.
ما أريد أن أقول؟
متكلفا بما عجزت عنه إستراتيجيات وقطاعات وزارية متعددة،نجح فيروس كورونا في إعادة ترتيب أولويات الاهتمام لدى المغاربة،فأمام وضع الأزمة القائمة صار الاستماع إلى صوت المثقف مفروضا،خصوصا في علاقته بطرق تدبير الوضع الراهن.ولم يجد الكثيرون سبيلا للإحاطة بكل جوانب الخطر المحدق سوى الاستعانة بأصوات الكتاب والأطباء والمؤرخين والصحافيين المهنيين،وهو ما أعاد إلى هؤلاء أدوارهم التأطيرية داخل المجتمع، بعد أن سحب منهم البساط لصالح شخصيات مواقع التواصل الاجتماعي.
وتبذل قطاعات مهنية،وأصوات مثقفة،مجهودات كبيرة لإعادة الريادة للمعرفة والمعلومة، وتبيان حجم الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بمجالات معينة،ووقف انتشار ثقافات التسطيح واستسهال الأمور،والميل إلى الأجوبة الجاهزة للمآزق الإنسانية.
وتتجه أنظار الجميع اليوم نحو المختبرات العلمية،والسباق الذي يخوضه العلماء ضد الزمن، في أفق التمكن من السيطرة على الفيروس وإيقاف عداد ضحاياه الذي يتضاعف يوما بعد يوم”،يقول المتحدث.وفي انتظار ذلك،يشدد سباطة،على أن “الحجر الصحي فرصة مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات أو على الأقل وضعها في سكتها الصحيحة،بقطع الطريق أمام طوفان التفاهة (ونشكر كورونا لأنه ساهم في الحد منه بشكل كبير) وتجديد علاقتنا بالكتاب الذي همشته الثورة التكنولوجية”.
من هنا:”شكرا لكورونا” أحيت ثقافة الاعتراف،بإعادة الاعتبار للطبيب والممرض والصحافي وكل الذين يضحون بأرواحهم في خط الدفاع الأول ضد هذه الجائحة التي ذكرت الإنسان بمعلومة صغيرة طالما نسيها أو تناساها: أنه أضعف بكثير مما يتصور!”.
وهنا أضيف: لا شك أن العالم قبل كوفيد -19 لن يكون مثل العالم بعده وسنرى تغييرات في موازين القوى الاقتصادية مع بروز القوى التي تملك إلى جانب قوتها الاقتصادية رصيداً أكبر من الأخلاق والتاريخ مقابل القوى التي رصيدها من الأخلاق أقل،وكذلك سنرى على صعيد الأفراد والمؤسسات تحوّلاً بوتيرة أسرع نحو الاعتماد على التكنولوجيا،بخاصة لجهة الشبكة العنكبوتية واستخداماتها المختلفة.
على سبيل الخاتمة:
إنها دوامة كورونا التي يدور العالم برمته في فلكها،الجميع موجود فيها والجميع متفرج أيضًا،إذ لا يبدو في الأفق القريب مخرج من هاوية الفيروس،أضف إلى ذلك أن الإجراءات المتبعة في بلدان عديدة،مالت صوب الحجر الصحي والعزل ومنع التجول في غير ما بلد.
للأسف،يتميز زماننا بإهمال وجهة نظر المفكرين والعلماء،بل تبخيسها حقها،مع ذلك فإن إطلالة على مواقف المثقفين ومقالاتهم،سيكون-في تقديري-مفيدًا لتأكيد أن شيئًا لا يعلو العلم والمنطق والتفكير النقدي.
وإذن؟
بقدر ما تحتاج إذا،هذه المرحلة إلى الانعزال عن المجتمع واتباع تعليمات المنظمات الصحية والانتظار،تحتاج أيضاً إلى التأني في قراءتها والنفاذ إلى ما وراء المشهد. فخوض سباق مع الكم الهائل من المعلومات هو سباق خاسر بالضرورة.
في مثل هذه الظروف يتبين دور المثقف الفعلي وكفاءته. يقول جورج أورويل (1) في مقدمة مزرعة الحيوان، (2) " يمكن إسكات الأفكار غير المرغوبة، والتعتيم على الحقائق غير الملائمة دون الحاجة إلى حظر رسمي ... لأن هناك اتفاقاً ضمنياً عاماً على عدم ذكر هذه الحقيقة."، في سياقنا الحالي، هذا ما تفعله البروبغاندا عن طريق من وقع في شراكها.
وفي ذكر الحقائق والوقائع،هناك حقيقة وحدة في الوقت الحالي،وهي أننا لا نعرف الكثير عما حدث،ولا نعرف ما يخبئه المستقبل القريب،والبعيد.
يجب إذا على المثقف العربي المعاصر أن يدرك وبعمق أنّ يقينيات المعرفة الإنسانية القديمة قد تصدعت،وخاصة تلك المرتبطة بالطبيعة والإنسان والمجتمع،ونبتت في شروخها أسئلة مؤرقة ومحرجة مع سيطرت العلم والتقنية والمعارف الحديثة والحروب البيولوجية،أو الإرهاب البيولوجي الذي صدّر وباء كورنا للإنسان عن طريق التعديل الوراثي للأحياء، والاستنساخ البشري الحيواني،والزراعة النسيجية وغيرها من علوم البيوبوجيا القاتلة التي أصبحت تُجند لتحقيق أهداف ومآرب سياسية واقتصادية وتوسعيَّة،متجاوزةً الغزو العسكري التقليدي..
وهنا أختم:
المرحلة تستدعي من المثقفين أينما كانوا،مواقف حاسمة،حيث إن الأمانة العلمية،الفكرية والثقافية التي يحملونها أمانة عظيمة،وحمل ثقيل،تُملي عليهم تقديم الحلول والمشورة وإضاءة الطريق أمام أبناء مجتمعهم للوصول بهم إلى الحقيقة أو ما هو قريب منها.. على هذه النخب الثقافية أن تكون مستعدة للتلاحم مع مجتمعها والوقوف معه في السراء والضراء وشدة الكروب،وألا تقف موقف المتفرج على ما يجري في الوطن بانتظار أن ينقشع الضباب.
هوامش:
1-) إريك آرثر بلير (بالإنجليزية: Eric Arthur Blair)‏ هو الاسم الحقيقي لجورج أورويل (بالإنجليزية: George Orwell)‏ وهو الإسم المستعار له والذي اشتهر به (25 يونيو 1903م - 21 يناير 1950م).
هو صحافي وروائي بريطاني. عمله كان يشتهر بالوضوح والذكاء وخفة الدم، والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية.
يعتبر القرن العشرين أفضل القرون التي أرّخت الثقافة الإنجليزية،
كتب أورويل في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية..
2-) مزرعة الحيوان (بالإنجليزية: Animal Farm)‏ رواية دِستوبيّة من تأليف جورج أورويل نشرت في إنجلترا يوم 17 أغسطس 1945 و هي إسقاط على الأحداث التي سبقت عهد ستالين و خلاله قبل الحرب العالمية الثانية، فقد كان أورويل اشتراكيا ديمُقراطيا و عضوا في حزب العمال المستقلين البريطاني لسنوات و ناقدا لجوزيف ستالين و متشككا في السياسات الستالينية النابعة من موسكو بعد تجربة له مع المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية.في الحرب الأهلية الإسبانية،و هي جهاز الشرطة السرية و العلنية السوفيتي الذي مارس إرهاب الدولة و القمع السياسي في عهد ستالين.
و قد وصف أورويل في رسالة إلى إيفون دافيت رواية مزرعة الحيوان بأنها مناهضة لستالين (بالإنجليزية: "contre Stalin").