القلق الشيوعي والنضال من أجل يسار جديد: محمد الكيلاني نموذجا

17 جانفي 2021  (19:07) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة
صدر للمناضل اليساري المعروف محمد الكيلاني كتاب جديد اختار له عنوانا " التاريخ المنسي مذكرات مناضل وطني " صادر عن منشورات " كلمات عابرة " بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية التي تدعم الكثير من الأنشطة الثقافية في تونس من ضمنها شراكتها مع جمعية " نشاز " التي يرأسها الأستاذ فتحي بن الحاج يحيى أحد أوجه اليسار البارزين الذي تولى تقديم هذا الإصدار الذي يمثل سيرة ذاتية لصاحبه أرخ من خلالها لمسيرة طويلة من النضال السياسي والمعارضة لحكم بورقيبة وبن علي وهو مؤلف يندرج ضمن سلسلة الاصدارات الجديدة التي ظهرت بعد الثورة و التي تنتمي إلى جنس أدبي جديد هو أدب السجون وهي كتابات توثق بالكلمة الجريحة لفترات نضالية طويلة وتؤرخ لمحطات سياسية عاشها أصحابها في زمن الاستبداد والديكتاتورية بكل ما فيها من آلام ومحن و تقلبات والعمل في السرية والخلافات داخل التنظيم وجانب كبير من السيرة الذاتية تصور النشأة الأولى والتكوين الدراسي والوضع الاجتماعي والبدايات الأولى التي أثرت وعجلت بالانتماء الحزبي والانخراط في العمل السياسي.
قيمة هذا الكتاب كون صاحبه هو أحد الوجوه الشيوعية البارزة في تونس وأحد المنظرين للتيار اليساري وأحد السياسيين الفاعلين الماركسيين لم يعرف عنه ثباتا في تنظيم واحد ولم يلتزم طوال مسيرته بأطروحات حزب يساري محدد مما يجعل منه شخصية دائمة المراجعة وكثيرة الخروج والدخول في منظمات شيوعية تحكمت فيها السياقات التاريخية والاختلاف حول القراءة الموضوعية للواقع التونسي فمن تأثر بأطروحات وكتابات جماعة برسبكتيف اليسارية التي ظهرت في بداية ستينات القرن الماضي إلى انضمام إلى منظمة العامل التونسي في بداية السبعينات إلى انخراط في الهياكل النقابية المؤقتة ضمن الاتحاد العام لطلبة تونس إلى عضوية فاعلة ومؤثرة في الحزب العمال الشيوعي رفقة عدد كبير من الرموز الشيوعية كان أبرزهم حمه الهمامي وانتهاء بتكوينه الحزب الإشتراكي اليساري سنة 2006 بعد خلاف وفراق مع حمه الهمامي حول الموقف من السلطة والموقف من الإسلاميين.
في هذا الكتاب يعود محمد الكيلاني إلى النشأة الأولى وإلى الوضع الاجتماعي وظروف العائلة والمدرسة وأجواء الجامعة والبدايات الأولى التي حولت وجهته نحو الانتماء اليساري والانضمام إلى العائلة الشيوعية وبداية التأقلم مع الفكر الإشتراكي والتفكير في تغيير واقع الشعب التونسي ومرورا بتجربة السجن والمحاكمات والعمل في السرية والخلافات الحزبية والانشقاقات. يعتبر محمد الكيلاني أن الذي جعل منه يساريا وسياسيا معارضا ليس الفكر الشيوعي وإنما الواقع المزري للشعب والظروف الصعبة التي عرفتها البلاد في بداية الاستقلال وتواصلت بعده والتي كان المتسبب فيها نظام بورقيبة فكان التلاقي مع الشيوعية التي وجد فيها طموحاته ووجد في تحليلاتها ما يعبر به عن هواجسه وتمرده.
تحدث محمد الكيلاني عن أزمة الشيوعية في تونس والأزمة التي يمر بها اليسار التونسي والأزمة الكبيرة للفكر الإشتراكي وهي كلها انعكاس للأزمة العميقة التي يعرفها اليسار في العالم بعد التراجع الرهيب الذي عرفته الماركسية وأفول نظرية شيوعية الدولة ورغما عن ذلك هناك محاولات عديدة لاستعادة اليسار لمكانته من جديد ومحاولات للتجاوز ولكنها كلها محاولات بعضها آل إلى الفشل وبعضها الآخر يعيش مخاضا وولادة عسيرة وقد يحتاج الأمر إلى وقت طويل قد يستغرق سنوات لقد فرطنا في لحظات تاريخية مهمة لاستعادة قوة اليسار واليوم نجني أخطاءنا الكثيرة.
وفيما يخص الوضع الراهن وما تعيشه البلاد من صعوبات حادة على كل المستويات فإن محمد الكيلاني يرى الأزمة سببها خيارات حكومية لا تتماشى مع إمكانيات البلاد التي لا تقبل بتبنى الفكرة النيوليبرالية التي تحمل البلاد أكثر من طاقتها فالمنطق الليبرالي المحض لا يصلح بالبلاد ومع هذا فإن إمكانية التدارك ممكنة و الخروج من الأزمة غير مستحيل وإصلاح البلاد والدولة ممكن غير أن الذي يعطل هذه المهمة هو الصراع المتواصل بين من يرى في الاصلاح من داخل منظومة الحكم وبالتالي من الضروري المشاركة في السلطة وبين من يرى الإصلاح لا يكون إلا بعد كنس المنظومة الحاكمة وهو صراع بين المصلح من الداخل ومن يطالب بالتغيير الجذري وهو خلاف تعيشه الأحزاب الشيوعية ويقسم اليسار التونسي فمشكل اليسار إلى جانب هذه الإشكالية هو مشكل العقلية البالية والقديمة التي تتحكم فيه و لم تتغير ومشكل تداول على الزعامة والقيادة مفقود ومشكل غياب تطبيق الديمقراطية داخل الحزب ومشكل عدم فسح المجال للشباب كي يتسلموا القيادة غير أن الأباء المؤسسون يريدون أن يبقى القائد قائدا إلى الأبد والبقية قطيع لهم . مشكل اليسار أنه لم يفهم المتغيرات التي حصلت على المستوى العالمي والمتغيرات في التفكير وفي انتقال المعلومة وفي علاقة الفرد والمجموعة بالمتغيرات الحاصلة .
يعتبر محمد الكيلاني أن هناك اليوم قلق شيوعي كبير نتيجة غياب أي تأثير لليسار في الواقع وقلق آخر من أفول الأحزاب الماركسية من أرض الواقع ومن استحواذ أطروحات أخرى كامل المشهد ومن تراجع الفكر اليساري وهذا ما يجعل من الضروري العمل السريع على التفكير في تأسيس يسار جديد يكون مختلفا عن اليسار القديم والنضال من أجل تجميع العائلة اليسارية في تيار قوي يعبر عن الفكر الماركسي في حدود ما يمكن الاتفاق حوله من أفكار بين كل المكونات اليسارية.