نوفل سلامة يكتب لكم: حينما تنظر فرنسا في وجه تاريخها الاستعماري..هل تعتذر للجزائر؟

25 جانفي 2021  (13:49) صالون الصريح

كتب: نوفل سلامة

ستون سنة مرت على نهاية الحرب في الجزائر ولا تزال الكثير من الحلقات في تاريخ هذا البلد لم تكتمل وبقيت غامضة وتحتاج إلى توضيح… ولا تزال الكثير من الحقائق في الذاكرة الوطنية الجزائرية تحتاج إلى إعادة وعي وقراءة.. وستة عقود مرت على حصول الجزائر على استقلالها من المستعمر الفرنسي بعد مقاومة شرسة أودت بحياة الآلاف من الجزائريين الكثير منهم بقي مصيره مجهولا بعد عمليات خطف واغتيال وانتهاكات ومع ذلك لا تزال هناك جراح لم تندمل في ذاكرة تاريخ فرنسا الاستعماري الذي تولت كتابته بطريقتها ووفق نظرتها ما شكّل شرخا كبيرا في العلاقات بين فرنسا والجزائر ومعه بقي الخلاف بين الجانبين في معرفة ما حصل ومعرفة ما قامت به فرنسا الاستعمارية من جرائم تتطلب الاعتراف والاعتذار، فالجزائريون اليوم مطلبهم واضح وهو إعادة كتابة تاريخهم الاستعماري من وجهة نظر الحقيقة التاريخية وما حصل حقيقة من أحداث لأهميته في تأثيث الذاكرة الوطنية وتصحيح التاريخ الذي يروج له المستعمر الفرنسي وهي معضلة تعرفها فرنسا مع كل مستعمراتها القديمة وتعرفه بأكثر حدة مع مستعمراتها في شمال افريقيا التي تتشبث دولها وشعوبها بحقها في معرفة ما ارتكبه الاحتلال الفرنسي من جرائم بحق هذه الشعوب ومطالبتها بالاعتذار والندم ورغم أن الرئيس الفرنسي " إمانويل ماكرون " قد صرح في وقت سابق بأن الإستعمار جريمة في حق الانسانية إلا أنه لم يعترف كسابقيه من الرؤساء الفرنسيين بالجرائم التي حصلت في الجزائر من قبل الجنود الفرنسيين ولا يريد إدانة الحقبة الاستعمارية بالجزائر و التي ارتكبت فيها فظاعات ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم إبادة ولا يريد تحت الضغوطات التي تمارس عليه من جهات داخلية أن يذهب أبعد وأكثر من مجرد النظر في التاريخ المتنازع عليه ومساءلة الذاكرة المشتركة في الحقبة الاستعمارية إلى الندم والاعتراف.
نعود اليوم إلى موضوع الاحتلال الفرنسي في الجزائر وإلى ملف الحقبة الاستعمارية الفرنسية وتاريخ فرنسا الاستعماري في بلد المليون شهيد تزامنا مع تقديم المؤرخ الفرنسي "بنجامان ستورا" تقريره إلى الرئيس الفرنسي ماكرون الذي كلفه بإعداده حول ذاكرة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وإعادة النظر في بعض المحطات المؤثرة في علاقة بكل الجرائم التي ارتكبتها فرنسا بحق الشعب الجزائري وهو تقرير كان يراد منه إضاءة المزيد من الحقائق التاريخية المنسية والتي تعمدت فرنسا اخفاءها من أجل تنقية العلاقات بين البلدين وإنهاء حقبة ما اصطلح عليها " بحرب البلدين على التاريخ" فالجزائر لا تزال إلى اليوم علاقتها مهزوزة وغير واضحة مع فرنسا بسبب ما حصل في زمن الاحتلال وبسبب مطالبتها بالاعتذار والندم فالمصالحة السياسية لا تتحقق حسب الجانب الفرنسي إلا بعد استعادة التاريخ واستعادة الذاكرة وإعادة الكتابة التاريخية للحقبة الاستعمارية بأكبر قدر ممكن من الحقيقة وما تطلبه الجزائر اليوم ليس بدعة وإنما هي مسألة قد حصلت في العلاقة بين الدول فألمانيا وفرنسا لم يستعيدوا علاقتهما عادية إلا بعد أن اعترفت الحكومة الألمانية بجرائم حقبتها النازية في فرنسا.
لكن يبدو أن تقرير المؤرخ ستورا لم يكن على قدر آمال الجزائريين وخيّب ظن الكثير من المؤرخين الذين كانوا ينتظرون منه أكثر جرأة في الكشف عن حقائق التاريخ المخبأ والمحذوف من الرواية الرسمية الفرنسية حيث احتوى تقرير هذا المؤرخ على جملة من التوصيات لا غير تصلح أن تكون إطارا عاما للحوار حول المسائل الخلافية بين البلدين من أهمها تشكيل "لجنة ذاكرة وحقيقة" تكلف بالبحث في القضايا التاريخية والملفات العالقة تنتهي بطرح مبادرات مشتركة حول قضايا الذاكرة كمسألة الاغتيالات التي تعرض لها المقاومون الجزائريون ومسألة المقابر الجماعية وقضية الجنود المفقودين وموضوع العناية بالمقابر لمختلف الجاليات.
والخيبة الأخرى التي رافقت نشر هذا التقرير جاءت من الرئاسة الفرنسية التي صرحت أن فرنسا بعد اطلاعها على هذا التقرير سوف تقوم بخطوات رمزية لمعالجة ملف الاستعمار وحرب الجزائر من دون أن تعبر عن أي ندم أو اعتذار وهذا يعني أن تصريح الإيليزي لن ترقى بهذا الموقف إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الفرنسية الجزائرية ولن يخرجها من هذا الشلل والتوتر الذي دام سنوات كثيرة بسبب قضايا الذاكرة والتاريخ المشترك وبسبب الخلاف حول الاعتراف بالجرائم التي ارتكبت بحق الجزائريين.
فهل جاء الإعلان عن هذا تقرير المهم والذي يخص تاريخ فرنسا الاستعماري في الجزائر في الوقت غير المناسب وفرنسا تشهد مشاكل كثيرة منها مشكلة الجائحة الوبائية وفي وقت يتعرض فيه الرئيس الفرنسي ماكرون إلى انتقادات حادة لفشله في التعاطي مع الملف الاجتماعي بعد مواصلة أصحاب السترات الصفراء احتجاجاتهم الأسبوعية وفشل آخر في التعامل مع انتشار فيروس كورونا ؟ وهل تسرعت الحكومة الفرنسية لما أعلنت أنها لن تقدم اعتذارا ولن تعترف بندم للشعب وللدولة الجزائرية والحال أنها لو نظرت في وجه تاريخها الاستعماري بكل هدوء ولا تعال لوقفت على حقائق تاريخية عما ارتكبته من جرائم وفظاعات بحق الشعب الجزائري توجب على الأقل الاعتراف والندم والاعتذار.