يوميات محام حر : التسجيل العقاري في الوقت الضائع

28 جانفي 2017  (08:50) صالون الصريح

 كتب الاستاذ الطاهر بوسمة

 

تسعى الحكومة هذه الأيام الى تحيين وتحسين التسجيل العقاري وخاصة الإجباري منه الذي بدا العمل فيه منذ سبعينات القرن الماضي وأعطت لولاية نابل الأولوية فيه قبل مسح المناطق السوقية لإعطائها حصانة قانونية وقيمة إضافية ثابتة وتامينا للقروض عند الاقتضاء.

عشت تلك التجربة لما كنت معتمدا على النفيضة وسهلت إقامة القضاة والفنيين في قيس الأراضي ورسم الخرائط بما تيسر لي وسهلت مهامهم بالقدر الذي تيسر لي.

تكرر ذلك العمل في ولاية القيروان لما كنت واليا عليها وسهلت مهمة المحكمة العقارية على انجاز التسجيل الإجباري لمساحة مائة ألف هكتار في معتمدية بوحجلة وكنت متعاونا لأبعد الحدود.

لم أتعمق في الطرق والاجراءات المتبعة عندها ولم يكن لي من الوقت ولا السلطة للاطلاع على سير الامور.

وأصبحت محاميا بعد عقدين من الزمن وتعهدت ببعض قضايا التسجيل وعندها اعتنيت بالقانون العقاري وتعمقت فيه حتى أتمكن من القيام بالواجب الذي تعهدت به، اكتشفت عندها أن تونس اختارت لها فرنسا النظام الأسترالي للتسجيل لما أرادت تمليك المعمرين،  وكان هنشير النفيضة الذي باعه خير الدين لشركة مرسيليا للقرض سببا لذلك الاختيار الغريب !

وبعد بحث وتعمق في ذلك القانون وإجراءاته اكتشفت غرابته وسبب اختياره لتونس من طرف فرنسا في حين أنها لم تعتمده في الجزائر التي استعمرتها قبلنا بخمسين سنة واعتبرتها قطعة منها الى ابد الابدين .

كتبت في يوم من الايام في الصحافة عن ذلك وانتقدت الطريقة التي تجبر كل من يريد تنظيم ملكيته بالتسجيل أن يرفع أمره للقضاء ولو لم ينازعه فيها أحد من المنازعين.

لقد سبب ذلك الإجراء العبثي ثقلا على القضاة وعجزوا على انحاز مهامهم في بضع سنين، وباتت المحكمة العقارية أكثر اكتظاظا من المحاكم العدلية تطحن الماء ولا ترى له طحينا.

 لم نفكر في إصلاح الأمر من جذوره وبتنا نعقد بالتحويرات الامور وذلك بانشاء المحاكم في الجهات وإلزام المتقاضين بالدرجات القضائية في حين ان ذلك لا قيمة له لو فكرنا في الإصلاح كما يجب ان يصير ونعتمد على القاعدة القانونية التي تقول: لا تقاضي بدون مصلحة لو كنت تعلمون.

لقد جربنا ذلك في الهامش وبتنا نكتفي بالرسوم والخرائط والامضاء على عقود تكميلية لتقسيم العمارات والمجمعات السكنية والصناعية بدون المرور بالمحاكم العقارية ولم تعترضنا مشاكل بين المستحقين وتقبل إدارة الملكية العقارية بالترسيم.

قلت وأنا من أسرة القضاء كان علينا إزالة المحاكم العقارية كلها والاستفادة بقضاتها لتدعيم المحاكم العدلية التي تختص بالاعتراضات التي قد تقع من من حين الى حين،

اما الترسيم بالسجل العقاري فانه يتم بعد الاشهار الوجوبي ومرور اجال الاعتراض من المستحقين المحتملين.

وللتذكير اقول علينا أدخوا لموقع قوقل أرض وسنرى ان الدنيا اصبحت كلها مرسومة من بعيد وحتى برك السباحة في المنازل الخاصة تظهر فيها بالحد والتدقيق.